أكثر من 35 عاماً مضت لم تتمكن من طمس هوية الأصالة والجودة المطعّمة بنكهة الذكريات في ذلك الركن المألوف لدى الجميع، أو حتى من ترسيخ بصمات الحداثة والتطور على شكل المكان ومضمونه، فظل شامخاً بتواضع حجمه وموقعه الخافت بين عملقة البناء المحيط به، فيما بقي رواده يفضلونه على عجالة دون غيره من الأماكن، وإن اصطبغت بريح التطور البراق واللامع والمشع بأضواء أحدث المراكز والمجمعات التجارية.
المسمى «صندقة» أو «كشك» حسب لهجة البعض، لا تتعدى مساحتها مترين مربعين، وتقع في منطقة المريجة بالشارقة، ظلت متجولة بين أكثر من موقع لسنوات، قبل أن تحط في مكان واحد بات معروفاً لدى الجميع،
وهي «علامة تجارية» مضى على وجودها في الدولة عقود من الزمن، حتى عرفها الكبير والصغير، واقتنع بها المواطنون والمقيمون على حد سواء، فيما الأغرب في الموضوع أن المواطنين على وجه الخصوص يأتونها تباعاً من إمارات مختلفة ومتباعدة منها عجمان ورأس الخيمة وأم القيوين ودبي.
ساعة من الزمن، بقينا في المكان الذي عكس في كل موقف وحركة دلالات كثيرة وذكريات قديمة، عرفنا عنه الكثير، على لسان أصحابه الأصليين أو زبائنه الأوفياء، المعجبين بجودة المكسرات المختلفة المتزاحمة فوق عربة متواضعة،
أرجلها شبه المتهالكة لا تقوى على مواجهة المزيد من سنوات التطور والتغيير المتواصلة، خلافاً لأصحاب الفكرة من الجنسية الهندية الذين واصلوا مهنتهم المتواضعة والشعبية سنوات طويلة أهلتهم لنيل بعض ملامح الاستثناء والاستمرارية في زمن لا يرحم الضعفاء.
محمد بابا الذين يقيم حالياً مع عائلته في الهند بسبب ظروف العمر، هو من بدأ في بيع المكسرات المتنوعة وفي مقدمتها «النخي» والفول السوداني، على عربة متواضعة، ظلت تتواجد في منطقة سينما الشارقة القديمة، فاعتاد عليه السكان لاسيما المواطنون،
الذين لم يبخلوا على من كان يزودهم بأمتع المكسرات والحلويات والسكاكر البسيطة قبل بداية التطور، بالبقاء بينهم في زمن كثرت فيه البدائل، التي لم تتمكن حتى الآن من إلغاء فكرة العربة أو «الصندقة» التي حفظها عن ظهر قلب كل من تذوق منها مكسرات القدم بنكهة الحاضر.
علي بابا زوج ابنة محمد بابا يدير «كشك» المكسرات التاريخية بمساعدة ثلاثة من العمال، وما إن يفتح أبواب المحل الصغير حتى تنهال عليه السيارات طلباً لأنواع المكسرات المختلفة ذات المذاق الطيب، وإن كانت النسبة الأكبر من مبيعاته المتواضعة للنخي والفول السوداني،
فيما لا يزال العمل في تلك «الصندقة» يدار بالأسلوب القديم، وهو التعبئة في الأكياس الورقية بواسطة الفنجان والميزان القديم، حتى أن شكل «الكشك» الكلاسيكي كما يبدو، يجاهد بكل ما يحتويه للمحافظة على ألوان التراث المصطبغ بطابع القدم.
لذيذة بمذاق الماضي
أحد المواطنين في الستينات من عمره، قدم من دبي برفقة زوجته لشراء بعض المكسرات من «كشك» علي بابا في منطقة المريجة، قال إن سر الطلب المتواصل على هذه المكسرات بالذات هو جودتها الفريدة وعلاقتها المتصلة بالماضي، والتي أهلتها للبقاء وسط هذا الزحام من المحال والمراكز التجارية الحديثة،
مؤكداً أن مواطنين كثر من مختلف الإمارات يقصدون المكان طلباً للنخي والفول والمكسرات والحلويات بمختلف أنواعها وأشكالها، وهي نفسها التي عرفها المواطنون في طفولتهم، حيث لم تتوفر حينها بدائل كثيرة، لذا ظل أهل البلد مرتبطين بقوة مع شكل ومضمون «الصندقة» بما فيها من مكسرات تزداد لذة بنكهة الذكريات
الشارقة ـ عنان كتانة
