شهد الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة مساء أول من أمس أولى ليالي الشعر مع إنطلاق الحلقة الاولى من الموسم الثاني للكرنفال الجماهيري «شاعر المليون» الذي تنظمه هيئة أبوظبي للثقافة والتراث في شاطئ الراحة بأبوظبي.

وشهدت ليلة الشعر والشعراء الإعلان عن أسماء الشعراء الـ 48 المتأهلين للمنافسة، كما تم الإعلان عن تأهل بندر العتيبي وبدر الظاهري من السعودية إلى المرحلة المقبلة بعد تنافسهما مع ستة شعراء آخرين في الحلقة الأولى، وشهد الحلقة محمد خلف المزروعي مدير عام هيئة أبوظبي للثقافة والتراث وجمهور غفير اكتظت به مدرجات مسرح شاطئ الراحة.

في حلقة شاعر المليون الأولى؛ اتجهت أنظار ملايين المشاهدين في العالم العربي وخارجه للتعرف على أسماء الشعراء المتنافسين في المسابقة، وبعد تلاوة الأسماء وصعود المتبارين لمنصة المسرح الأنيق؛ كانت مفاجأة عضو لجنة التحكيم سلطان العميمي للجمهور بإعلانه إلزام حامل اللقب و«البيرق» القطري محمد بن فطيس المري بتحدي شعراء الحلقة الختامية للدفاع عن لقبه أو التنازل عن «البيرق»، بعدها تقدم الشاعر السعودي عبدالرحمن الشمري لسحب قرعة المتسابقين الثمانية للحلقة الأولى.

ثم توالى الشعراء الثمانية على إلقاء قصائدهم؛ في أغراض شعرية تراوحت بين «المديح» و«الفخر» و«الحماسة» و«الوصف» ولم يتميز بينهم في غرضه الشعري الذي يرتقي ليشكل قصيدة إنسانية رائعة تحمل نَفَساً مختلفاً؛ إلا الشاعر الإماراتي عبيد بن راشد اليليلي حيث قدم قصيدة سنعرض لها لاحقاً،

وشهدت الحلقة إقصاء أول الأصوات النسائية في المسابقة منيرة سبت من البحرين بعد حصولها على أقل قدر من الدرجات، بينما سينتظر الشعراء الخمسة عدا ـ العتيبي والظاهري من السعودية ـ تصويت الجمهور للتعرف على الشاعر الثالث المتأهل من هذه الحلقة.

وقدم الشاعر بدر الظاهري المتأهل عن الحلقة الأولى نصاً وطنياً أهّله للانتقال، حيث تحدث فيه عن قضية تاريخية سعودية تعود لسنوات تأسيس المملكة على يد الملك عبدالعزيز آل سعود، وغلب على القصيدة الطابع الافتخاري الذي يناسب الموضوعة، أما المتأهل الثاني بندر محيا العتيبي من السعودية فقدّم نصاً أشادت لجنة التحكيم بلغته وصوره الشعرية.

لا عزاء للنساء

ويبدو أن حظ المرأة العربية في عالم الشعر العربي بشقيه «الفصيح والنبطي» لا يختلف كثيراً عن حظها في الحياة؛ فالشاعرة منيرة سبت من البحرين كانت الأولى في مغادرة المسابقة مبكراً، وهي الصوت النسائي الثاني مع العمانية هلالة الحمداني.

ورغم مغادرة الشاعرة بعد حصولها على أقل درجات في الحلقة؛ إلا أنها قدمت نصاً شعرياً تفاعل معه الجمهور بصورة كبيرة، يصوّر لواحدة من أبشع الصفات الإنسانية ألا وهي الخيانة، وما يتبعها من صدمات تؤثر في وجدان المرأة بصفتيها الشاعرة والإنسانة.

وقدم أصغر شعراء المسابقة سناً بدر بن سعد السبيعي من السعودية، نصاً في المدح جمع بين التقليدية والمباشرة، كما تميز بالشاعرية المتوهجة برغم صغر سن الشاعر الذي أثار دهشة أعضاء لجنة التحكيم والجمهور معاً، كما هو الحال أثناء جولة لجنة التحكيم الأخيرة، عندما شكك العميمي عضو لجنة التحكيم في السن الحقيقي للشاعر نفسه مقارنةً بمستوى كتابته،

أما صالح آل مانعة المري من قطر فقدّم نصاً افتخارياً تحدث فيه عن تجربته بالمشاركة في المسابقة، في قصيدة تقليدية شفّافة حملت نزعة من التحدي أعلن من خلالها الشاعر عن بحثه الصريح عن البيرق الذي سبقه إليه ابن بلده الشاعر القطري محمد بن فطيس المري.

أما فيصل عبدالرحمن الشمري من السعودية، والذي أشار إلى انتمائه إلى مدرسة البدر الشعرية، فقدّم نصاً ينتمي إلى البساطة والعمق الشعري معاً في محاولة جادة ومختلفة تنتمي إلى التميز والدهشة في بعض مقاطعها التي حاول من خلالها الشاعر إيصال رسالة مليئة بالعاطفة والوجدان،

بينما قدم ناصر بن دهيم الدوسري من الكويت نصاً عبارة عن رسالة صادقة إلى الحبيبة المفقودة بين تراب الوطن، تلك الحبيبة التي تنتمي إلى كوكب «الحلوين»، كما أشار إليها الشاعر في أحد أبيات قصيدته التي تميزت بالوضوح والشفافية المطلقة.

فارس «يليل»

وجاء دور الشاعر الذي كان ينبغي ترشحه، ولا نفتي وفي المدينة «مالك»، لكنه رأي واختلاف الرأي لا يفسد في الود قضية ـ وهو عبيد بن راشد اليليلي من دولة الإمارات، حيث قدم قصيدة أقل ما يُقال عنها «ملحمة غرائبية» تزخر بالصور الشعرية والبناء الكثيف للغة وانتقاء المفردات القريبة من القلب، وكانت خالية من الحشو غير المبرر

كما يحدث عادة لدى بعض الشعراء، ولعل قراء «الماركيزية» في الواقعية السحرية في فن الرواية أو عشاق «السوريالية الدالية» في الفن التشكيلي أو أتباع حكمة «بن ظاهر» في الشعر النبطي فاتهم الكثير إن هم لم يسمعوا بقصيدة «اليليلي» التي جمعت هذه الأصناف من الفنون والآداب،

فجاء نصه قوياً وبفلسفة عميقة لا يشبهه نصٌ آخر من نصوص الراحلين أو الأحياء، حيث استحضار الرمز المخفي في عالم الغيب إلى الواقع المعاش، فلم ينتم نص «اليليلي» إلا إليه دون «استعارة» أو «سرقة» شعرية ـ بلفظ أكثر فظاظة ـ كما يحدث عند شعراء آخرين.

وتم في نهاية الحلقة الإعلان عن أسماء الشعراء الثمانية الذين سيتنافسون في الحلقة المقبلة وهم: ناصر المطيري وخالد العتيبي وراشد البلوي وخلف العنزي من السعودية، وهزاع عبدالله من الإمارات، وخلفان الحارثي من عمان، وناصر العازمي من الكويت، ونزهان الشمري من سوريا.

دفاعاً عن اللقب

أعلنت إدارة مسابقة «شاعر المليون» ولجنة التحكيم عن أن مصير اللقب والبيرق هو رهن بشاعر المليون نفسه، إذ يحق لحامل اللقب في الموسم الماضي الدفاع عن لقبه وحيازته لبيرق الشعر في المرحلة الأخيرة من الموسم الثاني للبرنامج، أو التنازل عنهما إذا ما أراد،

ولذلك فإن مصير لقب «شاعر المليون» واستمرار حيازة الشاعر القطري محمد بن فطيس المري لبيرق الشعر هما رهن بالشاعر نفسه ولا أحد سواه، فيما استبعدت العديد من الأوساط الأدبية والثقافية في منطقة الخليج أن يُفرّط المري باللقب والبيرق، وتوقعت أن يقبل التحدّي الكبير من جديد.

وصرّح مصدر مسؤول في المسابقة، إن مسابقة «شاعر المليون» تضيف بذلك ميزة جديدة إلى رصيدها من الحضور الثقافي والإعلامي عبر استعادتها لأجواء الشعر العربي التنافسية، والمليئة بروح المثابرة والمناكفة بين الشعراء، مع كامل الالتزام بالمعايير الإبداعية،

ففي مثل هذه المبادرات نستذكر المباريات الشعرية التي كانت تدور بين الشعراء الذين تركوا لنا رصيداً إبداعياً من القصائد التي تميزت في عصرها، كما أن دخول الشعراء في هكذا مبارزة إبداعية يعود بنا إلى الأيام، التي كان فيها جرير يناقض الفرزدق، وأبوفراس الحمداني يناكف المتنبي،

وغيرها من الأجواء التي حفلت بها مسيرة الشعر العربي لتترك لنا درراً إبداعية، وجلّ ما نطمح إليه هو أن تترك لنا هذه الأجواء التي سيخلقها «شاعر المليون» من إبداعات جميلة تخلد الشعر النبطي وتترك للأجيال بصمات خالدة من الإبداع الممزوج بروح التحدي والمثابرة والإصرار على الذهاب في المسيرة الإبداعية إلى أبعد مدى.

غسان الحسن.. نابغة النبطي

ليس تقليلاً من شأن أعضاء لجنة التحكيم الآخرين، ولكنها كلمة حق تقال؛ ان عضو لجنة التحكيم الدكتور غسان الحسن كان الأكثر قدرة على تحليل النص وتبيان القوة والخلل فيه ومعالم الصور والبلاغة الشعرية في النص،

ولم يردد بعض الكلمات التي اعتاد البعض ترديدها من باب المجاملة مثل: «ما فيك حيلة» «صح لسانك» أو «بيّض الله وجهك» لأنها لا تخدم الشعر ولا الشاعر ولا المسابقة التي تهدف بالدرجة الأولى للرقي بعالم الشعر النبطي وتقديم جواهره للناس، ولئن كان شعراء العهود القديمة قد احتكموا عند «النابغة الذبياني» لسماع رأيه؛ فإننا لا نبالغ إن لقّبنا غسان الحسن بـ «نابغة الشعر النبطي».

المديح كغرض شعري

لا شك أن أحد أبرز سمات الشعر العربي دون غيره من أشعار العالم؛ هو اتكاؤه على أغراض شعرية متنوعة تكاد تفترق بالكلية عن شعر العالم، ويأخذ غرض «المديح» قالباً وخطاً واضحاً في تاريخ الشعر العربي بشقيه «الفصيح والنبطي»،

ولئن كان التاريخ ينصف فإنه لا يليق بالمدح إلا صاحب الفضائل والكرم وهو لا ينقص من قدر الشاعر ولا يرفع «الممدوح» إلى مصافِ الغرور. وتنبغي الإشارة إلى أن لجنة التحكيم في المسابقة الشعرية «شاعر المليون»

طلبت ولعشرات المرات منذ الدورة الأولى من الشعراء المشاركين، أن يقدموا أغراضاً شعرية تبتعد عن أسلوب المدح المباشر وتسير باتجاهات أخرى تبرهن على قدرة الشاعر لاستحقاق اللقب.. فهل سيلبى هذا الطلب؟

أبوظبي ـ محمد الأنصاري