دعا النادي الثقافي العربي مساء أول من أمس شعراء من ضيوف معرض الشارقة الدولي للكتاب، أحيوا أمسية تماوجت بين الغنائية عبر أشعار موزونة عامية وفصيحة، وجلالة المعنى من خلال قصائد نثرية غلب عليها البحث الوجداني والفلسفي في معاني مكثفة لفكرة ما أو لحظة ما أو قصة ما.
الأمسية، التي قدمها الإعلامي نواف يونس، استهلتها الشاعرة البحرينية ليلى السيد بمجموعة قصائد غنائية اختزلت فهمها الجريء لعلاقة المرأة بالرجل ولحظات الخذلان وأوجاع ما بعد البرودة حين لا تعد للشمس أنفاس تبث الدفء في البيوت، فتصير للشعر دفاتر من أوجاع جديدة على نخيل البحرين.
بحساسية مرهفة ولغة رشيقة بثت الشاعرة ليلى إيقاعاتها الجزلة، أكان عبر شعرها العامي أو الفصيح، واستطاعت موسيقاها الداخلية أن تصيغ من تراتب الحروف تموجات بين المفردات ودلالاتها دون تكلف أو تعقيد..
ومن أجواء بوحها: هنا مروا جميعهم/ وهنا لم يستقروا/غير أن البحر الذي هو شقيق البحر/لا يجيد الفصل بين سمكتين مهاجرتين.. الشاعر والإعلامي السوري بشير البكر، والمقيم في باريس حالياً، شارك في الأمسية بقصيدة من أجواء دبي عام 2005، وهي مهداة لصديقيه نواف يونس وحكيم عنكر..
القصيدة النثرية المطولة لا تأبه بموسيقاه رغم أنها تتواتر بايقاعات الرؤيا أحياناً، لكن بحثها التاريخي والفلسفي في مجازات الغربة والاغتراب عبر محاكاة للرحالة ماركو بولو كشريط تخييلي وسهرة في فندق ماركو بولو بدبي كشريط وثائقي في تماوج جدلي مربك بالمعنى الإيجابي للإرباك، منح للمعنى جلالة أعطت لإصغاء الحضور بعداً مغايراً.
ليل كسيفة بيضاء/يتشظى/ وينام على شهقة حيوان قتيل/ السماء في غيابها/ تتركنا وحدنا/في آخر رمق من الكحول/ والموسيقى في ذروتها/ مثل امرأة في الفراق/ والأرغن المكسور/ والروح السريعة العطب/ في الشتات الذي نحن فيه/ كما لو اننا مضينا/ في مراكب لا تعود.
السخرية لدرجة التهكم بعيداً عن الغنائية، كانت سمة الشاعر العماني محمد الحارثي عبر مجموعة مختارة من قصائده، مما لون الأمسية بابتسامات لاذعة لا ترسم على الوجوه ملامح فرح جديد بقدر ما تثير الأسئلة، خاصة وأن الشاعر يجيد حبكة القصة والخاتمة الوخزة، ويجعل من المشهدية منحدراً للغة تتدحرج عليه برشاقة ككرة الثلج..
وبموسوعية العارف وحنكة القارئ الانتقائي يجمع بين الحاضر والماضي، بين الجحيم والفردوس، بين الأحياء من الشعراء والأموات من الأنبياء أو المفكرين العظماء، وبين النميمة عن الشعر في غيابه، والتهكم عليه في حضوره يسقي الشاعر عشبته من ماء يقظته عبر حوارية ممتعة:
.. ولابأس/ إن عدت إلى الوزن قليلاً وكسرت الوزن/ بوردت كأس/ قد يحدث هذا في الغرين/ أو في أوراق العشب/ كلحية ويتمان، قد يحدث هذا../ حتى تسقط فأس المدفأة الأولى/ حتى تسقط سنتيمترين بعيداً/ عن فكرة ما اعشوشب/ في هذا الرأس..
الشاعر الفلسطيني المخضرم، ليس بالمعنى الجيلي، بل بالمعنى الشعري، يوسف أبو اللوز، طرح في هذا الأمسية مقاطع صغيرة من شعره المتماوج بعذوبة بين الغنائية وجلالة المعنى، دامجاً بتلقائية ودراية بين بلاغة اللغة ومجازات التأويل، لتنفتح بهدوء نوافذ الريح للأسئلة.. ذكريات ووخزات وصور.. مقولات فلسفية يصقل جوهرها بوضوح الطلقة مرة، ويتركها للحيرة والغبطة والحيطة مرات ومرات..
وعبر تثاقف مواز لسبر التاريخ ومتجاوز للصياغات الأكاديمية البليدة، يصبو أبو اللوز بفكرته غير آبه بالأوزان والتفعيلات والموسيقى، ليس لأنها لاتهمه، بل لأنها صارت جزءاً من عفويته ومراسه:
لست أندلسياً/ ولا شأن لي بملوك الطوائف/ لو كنت أندلسياً لأهديت قلبك شعراً/ قليل البلاغة/ لا بالمديد/ ولا بالموشح/.. ولو الأمر لي/ لطرحت خزاماك في كل مطرح..
لست ذئباً ولا من طباعي/ العواء على الليل ظناً من الحيوان/ بأن الليالي قطيع/ وما جعت يوماً/ ولا نبت صيداً/ فمثلي من دون ناب/ لست ذئباً ولكن/ تقنعت وجهاً لذئب/ لكي لا تعض حياتي الكلاب.
الشارقة ـ محمود أبوحامد
