المتصفح لكتاب «الطريق إلى مكة» للرحالة والمفكر محمد أسد أو ليوبولد فايس المستشرق النمساوي الذي أمضى سنوات شبابه في الشرق الأوسط والجزيرة العربية، لابد ان يأسره أسلوب الرجل الأدبي الأخاذ في وصفه لأدق المشاعر والخلجات الإنسانية، وتفاصيل قلقه وهواجسه وهو يجوب صحارى الجزيرة العربية على ظهور الجمال مع دليله البدوي الشمري زيد.

أسلوبه إلى الشعر أقرب منه إلى السرد العلمي الجاف الذي دأب عليه اغلب الرحالة الأجانب الذين جابوا الجزيرة العربية قبله وبعده. يسرد محمد أسد وقائع رحلة له على ظهور الجمال قام بها سنة 1925م بدأت من مدينة (بم) النائية في جنوب إيران في ذلك الوقت وهي مدينة مشهورة اليوم.

وقد ضربها زلزال مدمر قبل سنوات تناقلت خبره وسائل الإعلام المختلفة ويجد الزائر للجناح الإيراني في القرية العالمية في دبي انه قد صمم على هيئة إحدى القلاع الطينية لهذه المدينة. وكان صديقه علي آغا قائد الحامية المحلية في هذه المدينة آنئذ، وهو يصفه بأنه «شاب في السادسة والعشرين من عمره في ذلك الوقت،

إلا ان ماضيه كان حافلا بالإثارة والحركة والنشاط، وكان يمكن له ان يؤدي دورا مهما في طهران لو لم ينغمس في حياة اللهو والعبث، وكان وجوده في ذلك الوقت في مدينة (بم) النائية غير المؤثرة في الأحداث في جنوب إيران، بوازع من أبيه الذي كان واسع النفوذ،

على أمل ان ينصلح حال ابنه إذا ابتعد عن متع طهران ومسراتها وملذاتها. إلا أن علي آغا وجد في (بم) ما يعوضه مما افتقده في طهران، وجد النساء والخمر، ومخدر الأفيون الذي كان يتعاطاه بكثرة. في ذلك الوقت من سنة 1343 هـ (1925م)،

كان على آغا قائد الحامية المحلية بمدينة (بم) برتبة ملازم. كنت حينها أستعد لعبور صحراء «داشيلوت» وتوجهت اليه بخطاب توصية من حاكم ولاية «كرمان». وكان بدوره قد تلقى خطاب توصية من رضا خان رئيس الوزراء.

يصف بعدها محمد أسد صحراء داشيلوت التي ينوي عبورها على ظهور الجمال فيقول: (رأيت في أعماق ذاكرتي صحراء داشيلوت الخالية، أو «الصحراء الخاوية» التي تنشر خواءها اللانهائي من بلوشستان إلى قلب إيران، كنت أنوي عبور تلك الصحراء للوصول إلى «سيستان» أقصى حدود شرق إيران،

ومنها أواصل رحيلي إلى آسيا الوسطى، وعندما كنت قادما من «كرمان» لم يكن يوجد مسار آخر. توقفت أنا وعلي آغا والحراس البلوش الذين كانوا معنا عند حافة واحة خضراء على حافة الصحراء لنكتري جمالا، ونشتري مؤنا لطريق طويل أمامنا.

كنا ننزل في محطة البرق «الهند - أوروبية». أفادنا ذكاء مدير المحطة إفادة جمة، تمكن من العثور لنا على جملين من أفضل جمال الركوب، وأمضينا ما تبقى من اليوم في شراء قرب الماء، وحبال من وبر الجمال، وأرز، وسمن، وسكر وأغراض أخرى لازمة لرحلة عبور الصحراء.

تحركنا عصر اليوم التالي، سبقنا علي آغا بصحبة أربعة من الحرس لتهيئة مكان نحط فيه رحالنا في أثناء الليل، وسرعان ما تلاشت جمالهم واختفت في الأفق البعيد، أما أنا وإبراهيم والحارس الخامس فقد تبعناهم على مهل.

تأرجحنا على الجمال الرشيقة الأطراف (كانت أول مرة أركب فيها جملا)، سرنا في البداية عبر كثبان رملية صفراء لا تنمو فيها إلا أعشاب قليلة، ثم دخلنا في صحراء مكشوفة، واد صامت أجرد لا تبدو له نهاية، مسطح تماما وخال من أي نتوء أو بروز، بدا كأنه هو الذي ينطبق على الأفق، لا حجر، ولا صخرة، ولا نبتة عشب، لا صوت لحيوان،

ولا صوت لطير أو حتى خنفساء يكسر ذلك الموت القاحل. حتى الريح ضاع زخمها، كانت تسعى من دون صوت، كما يهبط حجر من حافة هاوية.. لم يكن ذلك ما يطلق عليه صوت الموت، بل كان ما لم يولد بعد، ذلك الذي لم تدب فيه حياة ، الصمت الذي سبق في الوجود الكلمة الأولى.

aalsanjari@yahoo.com