بين معاناة الغواصين وتفاصيل البحر الثرية تألقت حبات اللؤلؤ لتسجل تاريخ الغوص ورحلة البحث الخطرة عن الدانات، وهي رحلة جديرة بالتقدير والتأمل لكل من يمر أمام عتبات البحر ليعرف أن اللآلئ التي زينت أعناق الحسناوات عبر التاريخ سبقتها رحلة صبر تجاوز أموال الطواويش ليجسد رغبة الغواص بالحياة ووقوفه في أعماق البحر بمواجهة الموت ليصل إلى حبة اللؤلؤ.

هذه الرحلة جسدتها مصممة المجوهرات الإماراتية عزة القبيسي في أعمالها الأخيرة حيث كانت مجموعتها (دموع الملائكة) مستوحاة من حياة الغواصين وأدوات الغوص، وواصلت جهودها في هذا الإطار عن طريق ورشة العمل التي شاركت بها ضمن فعاليات معرض المجوهرات المعاصرة من بريطانيا (من جوهر إلى جواهر) الذي أقيم في ندوة الثقافة والعلوم بدبي تحت رعاية عبد الرحمن العويس وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع بالتنسيق مع مجلس دبي الثقافي والمجلس الثقافي البريطاني.

ضمت الورشة إحدى عشرة طالبة من الإمارات وبريطانيا رافقن القبيسي للتعرف على العلاقة بين المجوهرات والطبيعة والأخطار التي كان الغواصون يتكبدونها للحصول على اللؤلؤ، تتحدث عزة القبيسي عن الورشة وتقول: رغبت بإحياء ذكرى الغواصين الذين خاطروا بحياتهم من أجل الحصول على اللؤلؤ، وظل التعبير عن معاناتهم يشكل هاجسا لي عبرت عنه في تشكيلة «دموع الملائكة» التي ضمت 12 قطعة معروضة في الماء مع الأسماك وأعشاب البحر. وأنا لا أريد طرح المعاناة السلبية وإنما هي الرغبة في توثيق تاريخ الغوص وحياة الغواص الذي بذل المستحيل لتعيش عائلته حياة كريمة ويوفر لها رزقها.

ووجدت الكثير من مهرجانات اللؤلؤ والمجوهرات التي قد يتم فيها ذكر تجار اللؤلؤ دون إشارة إلى حياة الغواص الباحث الحقيقي عن اللؤلؤ، ولهذا وجدت في ورشة العمل فرصة لتقريب الطالبات من عالم الجواهر وتعريفهم عن قرب بعلاقة المجوهرات بالطبيعة إضافة إلى تعزيز القدرة على الخيال والإبداع، فهدفنا من الورشة فتح المجال للطالبات للتعبير عن أفكارهن والتعامل مع المواد المختلفة في تقديم الصياغة الفنية.

وركزت الورشة على تعريف الطالبات بحياة الغوص وربطها بالفن وبتصميم الجواهر حيث تترك لكل طالبة فرصتها في التعبير عن فكرتها بطريقتها الخاصة، وقد تم اختيار الطالبات المشاركات بسبب اهتمامهن بالفن ورغبتهن بالتخصص فيه فيما بعد. وأكدت القبيسي على دخول الفنان الإماراتي إلى عالم الأضواء ومشاركته الفاعلة في الفعاليات الفنية داخل الدولة (في الآونة الأخيرة استطاع الفنان المحلي الدخول بشكل فاعل بسبب زيادة الوعي بدوره ورعاية الجهات الحكومية له.

فنحن نعرف أن الفنان الإماراتي موجود منذ البداية لكنه لا يستطيع تقديم شيء ما لم يتلق الدعم المادي وتسلط عليه أضواء الإعلام ويتم إشراكه في الأحداث الفنية العالمية، وقد جاء الدعم من الحكومة ليأخذ الفنان موقعه الصحيح في المشاركة والتفاعل). وتحدثت الطالبات الإماراتيات المشاركات في ورشة العمل عن تجربتهن في الاطلاع عن قرب على أعمال عزة القبيسي فقالت روضة الغرير (هذه أول تجربة لي في هذا المجال.

وقد استفدت جدا منها لأني تعلمت أشياء جديدة عن عالم المجوهرات إضافة إلى أننا شاركنا في تصميم الأعمال التي تعبر عن حياة الصيادين بطريقة مختلفة، وأنا أرسم وعائلتي مهتمة جدا بالرسم وفيهم من يمارس هذا الفن وقد وجدت في الورشة فرصة للتفكير في مجال التخصص الذي يمكن أن أتجه إليه في المستقبل).

أما شمسة المكتوم فتقول (تمثل الورشة تجربة جديدة لي، فقد كنت في الماضي أهتم باللؤلؤ من ناحية جماله وشكله وحجمه، والآن تعرفت على معاناة الناس الذين بحثوا عنه في المغاصات وقدموه للناس، وكان التعامل عن قرب مع الفن وتصميم الأعمال الفنية أمرا مميزا تعلمت منه الكثير).

وقالت هند الجنيدي (قدمت لنا الورشة الكثير من الفوائد فقد كنا نرى أناقة اللؤلؤ من دون أن ندرك القصص التي تقف وراءه، واليوم تعلمت تقنيات جديدة في الفن حول كيفية توظيفه للتعبير عن الجوانب الإنسانية في الحياة، كما تعلمنا كيفية استخدام المواد المختلفة وإدخالها في الأعمال الفنية، وفي الماضي لم أكن أفكر بالمجوهرات أو صياغتها لكني الآن أشعر بالقرب منها وصرت أهتم بالتصاميم وتقنياتها).

وتذكر سلامة الملا أنها لم تكن تعرف الكثير عن مصممة المجوهرات عزة القبيسي ولكن العمل قربها إليها، والتعرف إلى أعمالها جعلها تشعر بقيمة تلك الأعمال وتقول (نحن نتعلم الكثير من الأمور الفنية في المدرسة لكننا لم نكن نفكر باستخدام بعض الأدوات مثل الخيش في الأعمال الفنية وأعتقد أن المشاركة قد أفادتنا كثيرا ولم تجعلنا نقف عند حدود مواد معينة لا نستخدم غيرها).

وتحدثت يارا معلا، مديرة المشاريع الفنية في المجلس الثقافي البريطاني عن الورشة قائلة (هذه هي الورشة الثانية فقد سبقتها ورشة لطلاب جامعة الشارقة بينما توجهت تلك الورشة لطالبات المدارس حيث شارك فيها طالبات مدرسة لطيفة وطالبات كلية دبي.

وقد جاءت تلك الورشة لخلق التواصل بين المعرض والمجتمع وتفعيل المواهب الإماراتية الشابة وإعطائهم الفرصة لإطلاق خيالهم في مجال الفن وليكون لديهم تصور واضح عن خططهم المستقبلية، وقد حاولنا في المعرض كله زحزحة الحواجز بين الفنون المختلفة لترابطها وتشابكها معا).

دبي ـ دلال جويد