حث العالم الأنثروبولوجي الشهير فرانس بواس طلبة الأنثروبولوجيا على ضرورة الإسراع في الدراسات الميدانية للقبائل الهندية في الأميركيتين قبل تلاشي تقاليدها وأعرافها في بوتقة الصهر الثقافي الغربي.

فضلاً عن إسهام المعلومات الناتجة من تلك الدراسات في إغناء المعلومات الأثنوغرافية والتاريخية التي تكشف عن تنوع النماذج الثقافية التي تجسد مرونة الطبيعة البشرية وقدرات الإنسان القبلي على التكيف مع عوامل البيئة والظروف التاريخية التي يضطر إلى اجتيازها.

فالأنثروبولوجيا ( علم الإنسان أو الأنسنة ) كما هو معروف تسعى إلى دعم الأنساق الثقافية والاجتماعية للجماعات القبلية وتطويرها بما يضاعف من فرص تماسكها وتكاملها وقدرتها على المواءمة مع مستجدات الواقع.

ما زال هذا الجانب الحيوي من الدراسات الأنثروبولوجية - خاصة ما يمكن أن يُدرج تحت عنوان ثقافات القبائل- غائباً عنا أو مغيباً، لا فرق في الحالتين، مع أن الوقت يمضي، ورواة ذخائر تلك الثقافات المتنوعة الثرة الكنوز البشرية من الآباء والأجداد في تناقص دائم. وهذه سنة الحياة.

لقد تنبه الغرب إلى أهمية جمع ودراسة تلك الثقافات باعتبارها ليست مرتبطة بالهوية الوطنية فحسب، وإنما هي أهم جانب من جوانب تكوين الشخصية الوطنية، والأهم من ذلك كله أنها الوجه الحقيقي الباقي لما يمكن أن نسميه الأصالة، وسط عالم «مُعَوْلَم» بات يفتقد الخصوصيات الثقافية للشعوب.

كانت البداوة عبر التاريخ هي الطابع الغالب على أنحاء الجزيرة العربية، ومع ما كان يرافق أسلوب الحياة البدوية من تنقل وعدم استقرار، إلا أن ذلك لم يمنع وجود أدب راق لدى الأقدمين من البداة، تضمن آراء ونظرات، وحكماً بالغة،

وهذا الأدب الراقي ما كان يتجلى في الشعر والخطابة والأمثال والأقاصيص والسوالف ـ الحكايات ـ التي تدور على ألسنة الحيوانات، وما زالت آثاره خالدة حتى الآن، تشهد على الرقي الفكري الذي كان عليه أجدادنا العرب.

ويمكننا أن نجد لدى البدو المعاصرين أدباً. ولا يعيب هذا الأدب كونه عامياً، فهو على الرغم من عاميته عبّر تعبيراً صادقاً عن مشاعر الذات وخلجات النفس وإظهار مكنوناتها. وهذا الأدب بلا شك يتجلى في الشعر البدوي، أو النبطي، أو العامي، أو الشعبي، كما يتجلى في الأمثال البدوية،

والأقاصيص التي يتناقلونها، سواء أكانت تدور على ألسنة الحيوانات كما قلنا، أم جرت وقائعها بين الناس. مناسبة هذا الحديث، يذكرني اليوم بما دأبت عليه إدارة التراث في دائرة الثقافة والإعلام في إمارة الشارقة، من عادة سنوية جميلة،

وسنّة حسنة سنّتها على مدى السنوات الماضية، من تخصيص يوم للوفاء وتكريم هذه الكوكبة من الكنوز البشرية من الآباء والأجداد بلقاء حميمي ترفل فيه معاني العرفان بالجميل ورد ولو ـ معنويا ـ جزءاً بسيطاً مما قدمه راو أعطى ما عنده من ذخيرة غالية حفظها على مدى أجيال وصانها من الضياع، فاللهم اشهد إنها سنّة حسنة وأنعم بها من سنّة جزى الله القائمين عليها كل خير.

aalsanjari@yahoo.com