«يحكى أن إمبراطورا صينيا طلب من رسام مشهور أن يرسم له لوحة تجسد ديكا يصيح. فاستمهل الرسام الإمبراطور شهرا لينجز العمل ثم سنة وبعدها 5 سنوات حتى مرت 20 سنة من دون أن ينهي اللوحة. فقصده الإمبراطور سائلا عن سبب تأخره الأمر الذي استفز الرسام فامسك بريشته ورسم ديكا في 3 دقائق.
فثار غضب الإمبراطور سائلا إياه ماذا كان يفعل طيلة 20 سنة فامسك الرسام بيد سيده إلى غرفة مجاورة ليفاجأ بعشرات اللوحات المرمية في أرجائه، وقال :« كنت أتمرن على انجاز عمل استثنائي في وقت قياسي».
بهذه القصة بدأ ميها بوجاكنيك عازف الكمان والدبلوماسي السلوفاكي ورئيس مؤسسة تطوير العلاقات الثقافية من خلال الفنون محاضرته التي ألقاها أول من أمس أمس أمام طلاب وأساتذة وأولياء أمور في أكاديمية دبي الأميركية. استخدم الرجل سحر الموسيقى والكلمة لجذب انتباه الجمهور الذي لم يسمع به من قبل، فعرف بنفسه بعزف مقاطع موسيقية بأسلوب جذاب خارج عن المألوف الصارم في الغالب.
فبالنسبة للدبلوماسي السلوفاكي الذي عمل ملحقا ثقافيا لبلاده في العديد من الدول قبل أن يتحول إلى محاضر يؤمن بالتواصل عبر الموسيقى «كل شيء في العالم يبدأ من الفوضى الخلاقة، فعلى الإنسان أن لا يكون عاديا وإلا تحول عبدا». يقول وهو يضبط كمانه «يستلزم الإنسان نحو نصف ساعة ليتناغم مع محيطه»، وما هي إلا لحظات حتى يتحول الجمهور إلى كورس «يغني «آه ه ه» تتناغم مع عزف ميها.
يطلب من البالغين من بين الحضور تخيل أنفسهم أنهم في الخامسة من العمر وذلك لكسر عنجهيتهم الناتجة عن إحساسهم بالأهمية. ويطلب من التلامذة تخيل أنفسهم في الستين من العمر. بعدها يبدأ بوصف العولمة: «العولمة مهمة للاقتصاد لكنها مضرة للثقافة الشخصية، لذلك على الثقافة والفن أن يسيرا عكس التيار، ما يحكى عن ثقافات العولمة مجرد هراء».
ويضيف ادعوكم للعيش في مواجهة العلامات التجارية الذكية حتى لا تخسروا قيمتكم الإنسانية وتتحولوا إلى كائنات متشابهة أو مجرد أرقام في لوائح الشركات». يقول ميها كلماته بعزف مقطوعة موسيقية لباخ وكلما انتهى من جملة منها جعلها تنبض بأحاسيس وأفعال وأفكار. لم تسعفه الكلمات فحمل أقلاما ملونة وراح «يشخبط» بها على لوح من ورق.
يقول «اجسادنا وحواسنا استأجرتها أرواحنا عند الولادة علينا أن نحسن استخدامها. أن تسمع أصواتا شيء مهم ولكن الأهم أن نتعلم فن الاستماع المتصل بكل الحواس والروح. لا يمكن إجبار الإنسان على اعتماد قيم معينة المهم أن تتحول هذه القيم إلى جزء من طبيعة الحياة. لا تتحولوا إلى محترفين بلهاء وفق أسلوب القيادة الشاملة والحازمة، مجردين من إنسانيتكم».
ويختم بتعداد سبع مراحل للتعلم تبدأ بتنقية الحواس ثم تعلم أشياء مثيرة ومهمة، ثم الانتقال إلى مرحلة الفهم والتقييم ثم الابتكار والتفرد وكسب الخبرة الإنسانية وبناء الطاقة القصوى ، تؤدي كل هذه المراحل إلى نتاج فريد قائم على الإبداع. يصفق الحضور إعجابا بالضيف الذي ينحني متشكرا كاشفا أمامهم أن التصفيق بدأ في الصين منذ مئات السنين عندما أمر الناس بقتل البعوض الذي كثر انتشاره بأيديهم!
دبي ـ كارول ياغي