«العمل ليس عيباً مهما كان متواضعاً»، هكذا أكد لسان حال جميع الجدات اللواتي حاورتهن «البيان» في دردشة لم تخل من الأنس والحميمية مع سيدات تركتهن الحياة فجأة ليكن المسؤولات الوحيدات عن مستقبل عدد من أفراد أسرهن والمعيلات لأطفال صغار، وقد أثبتن أنهن كن من الصلابة والشجاعة بمكان لتولي المهمة باقتدار، وكان من بين أبنائهن المعلم والطبيب والمهندس والقيادي في المجالات الحيوية المتنوعة.
حمدة عتيق أو «أم محمد» واجهت ظروفاً صعبة ألمت بها مباشرة بعد وفاة زوجها المريض، لتصبح المسؤولة والمعيلة الوحيدة لجميع أفراد أسرتها المؤلفة من تسعة أشخاص من بينهم ستة أبناء ووالدتها وشقيقها المقعد، ووجدت الحل لمشكلتها في مهنتها البسيطة التي اكتسبتها بالممارسة، وعلى الرغم من بساطتها كانت بمثابة طوق النجاة الذي تمكن من إنقاذ الأسرة من ضياع محقق من جهة، ومن ذل سؤال الآخرين من جهة أخرى.
وعن طبيعة المهنة شرحت أن جدتها علمتها كيفية إعداد كميات كبيرة من (التلي) وهو عبارة عن جزء يتجزأ من زينة الملابس الشعبية للمرأة الإماراتية قديماً وذلك بواسطة أداة (الكجوجة)، التي تتألف من جزءين وتضم مجموعة من البكرات الخاصة بالخيوط من مختلف الألوان بحسب الرغبة على الرغم من سيادة اللونين الفضي والذهبي الذي تفضله النساء آنذاك لتزيين ملابسهن.
وتضيف أنها كانت تحاول انجاز كميات كبيرة من التلي في وقت قياسي دون أن تقلل من جودة القطعة المصنوعة وذلك حتى تحقق أكبر هامش ربحي ممكن حتى تتمكن من سد الاحتياجات الأساسية لها ولبقية أفراد أسرتها، وفي خضم الظروف الصعبة حرصت على تسليح جميع أبنائها بسلاح العلم، إلى أن التحقت ثلاث من بناتها في قطاع التعليم كمعلمات، واشتغل أحد أبنائها في الهندسة ثم عمل في إحدى كبريات الشركات البارزة المتخصصة في مجال البترول.
مهارات متعددة
صبيحة حمد تتمتع بعدد من المهارات إلى جانب إتقان إعداد التلي مثل أم محمد، مثل إتقانها لصناعة بعض الأدوات والمستلزمات المنزلية، حيث كانت الفتاة في الماضي تجيد مختلف الأعمال التي تجعل من حياتها أكثر سلاسة ومرونة، وتحقق الاكتفاء من ناحية توفير متطلباتها من ملابس ومعدات ضرورية بنفسها دون الحاجة إلى شرائها من السوق.
وأعربت عن امتنانها وتقديرها للأشخاص المحيطين بها ممن شجعوها على العمل الدؤوب، بعد أن تعرض زوجها لخسارة فادحة في تجارته اضطر على أثرها لبيع محله في السوق، وبعد أن زادت ثقتها في نفسها بفضل التشجيع الذي حظيت به، عكفت صبيحة ليل نهار على تجهيز مختلف الطلبيات التي تردها من زبوناتها من سيدات المنطقة التي تسكنها، وحرصت على التميز في انجازها مهما كانت حالتها الصحية وبالرغم من تعرضها لعدد من المواقف التي كادت أن تتدفع بها إلى التوقف عن العمل، واجتازت المحنة مع زوجها وصغارها بسلام.
ولا تزال قصة كفاحها إلى يومنا الحاضر القصة المفضلة لدى أحفادها الذي يرجحون كفتها على قصة الرجل العنكبوت والساندريلا ومغامرات علاء الدين والجميلة والوحش.
وتحكي فاطمة حسن عن تجربتها وتقول: إن العمل ليس عيبا طالما أنه لا يتعارض مع الدين وأعراف وتقاليد المجتمع، وأعربت عن أملها في أن يستفيد الجيل الجديد من سيرة أجدادهم وآبائهم في مواجهة التحديات المتباينة وصراعهم من أجل البقاء في بيئة قليلة الموارد نسبيا مقارنة بالوقت الحالي، وتضيف: إذا كانت الفتيات يحرصن على الإلمام بكافة مهارات الصناعات اليدوية فان فتيات اليوم مطالبات بأن يتفانين في زيادة مهاراتهن في المجالات التي تعود عليهن بالنفع والفائدة في تربية الأبناء واقتحام سوق العمل والإنتاج، مثل إجادة اللغة الانجليزية وجهاز الكمبيوتر وكل ما يستجد من ضرورات العمل عالميا.
وأيدتها في الرأي رفيقتها عائشة حمدان الأم والجدة التي ترى أنه على الإنسان أن يأخذ بالأسباب في هذه الحياة، وذلك من خلال التعلم والتطوير المستمر حتى ينجح المرء في إتقان عمله، وأوضحت أن الحياة علمتها الكثير ومن أهم الدروس التي استفادت منها شخصيا أنه على الإنسان أن يثق بنفسه وقدراته ويطوعها جميعا لخدمته ورقيه وبناء وطنه، لأن الجميع يساهمون في بناء أوطانهم من خلال تفانيهم في العمل، وضربت مثالا على ذلك بابنها الوحيد الذي عملت على تنشئته التنشئة الصالحة.
وبعد أن تخرج بتفوق في الإعلام لم يعثر على وظيفة مناسبة، وقنع بوظيفة متواضعة في أحد الفنادق الفخمة والتي لم تكن تتماشى ومستواه العلمي، وتمكن خلال وقت قصير من أن ينال رضا رؤسائه بسبب كياسته ولباقته في التعامل مع النزلاء من كافة الجنسيات، واستحق عن جدارة أن يترقى في السلم الوظيفي إلى أن أصبح مسؤولا في مجال السياحة والسفر.
دبي ـ لولوة ثاني