جعَل الشّاعر القروي (رشيد سليم الخوري) ديوان شعره مجالاً لقطع وقصائد وأغاريد نظمها في أَولاد وأَحفاد لعددٍ من أقاربه، وأصدقائه، وربّما لفتَتْهُ لِفتةُ طفوليّة بمناسبة من المُنَاسبات فنظم في ذلك، وسَجّل في الدّيوان ما يخطر له من خواطر ولمحات.

وقف الشّاعر عند طفلتين، هما توأمان، لأحدِ أصدقائِه فَشبّههما بالهلالين، وبَدأ القطعة بهذا الّسؤال:أهلالين أرى أم طفلتين؟

بالسَّنا أعْجزَنا مَنْ وصَفا

جَلّ مَنْ سوّاهما كالمُقلتين

في مُحَياّ الحسن لم تختلفا

حوتا فوق جمال الصورتين

أعذب اسْمَيْن: سعادٍ وصَفا

ليس بدعاً أن تجيئا توأمين

أَيكون السَّعد من غير صَفا؟

وفي القطعة تلقائية، في أَلفاظٍ رقيقة، وفكرةٍ لطيفة، واستفاد في الثناء عليهما من أسْمَيْهما: سُعاد وصَفاء.

ـ ورأى الشّاعر القروي صديقاً له حالياً على سرير طفلته يناديها «يا قلبي» وقد سلمتْ من مرضٍ طارئ كان خطراً على قلبها، فقال يحكي تلك الحال:

يا ليلةَ القدر أخدمي ليلةَ

عقدت والدهر بها صُلحا

قد ثلَّث اللّه سُروري بها

مُذْ قلْب قلبي قَلْبَهُ صَحّا!

فصديقُ الشاعر هو في منزلة قلبه، وذلك الصّديق فدى بقلبهِ قلب ابنته التي صحّت من مرضها.. فهذا معنى البَيْت الثاني، وهو معنىً طريف.

ـ وجَرْياً على عادة التوقيع على دفاتر الأَطفال والصِّغار بعبارات تخصّ مناسبةً من المناسبات كتب الشاعر في دفتر طفلة أحد أصدقائه واسمها (رأفة) فقال:

واهاً لعصِر حضارةٍ

تَتهيّبُ الأقلامُ وَصْفَهّ

كم سجدةٍ للغرب في

محرابِ دولته و وقْفَهْ

أَحيا مواتَ العدلِ مِن

سلساله العربيّ عطفه

لولا حلاوَتُها لما

أخذت قلوب الناس رأفَهْ!

والقطعةُ لطيفةٌ، وفيها من علم البديع التّورية باسم الفَتاة (رأفه) ومعنى الرأفة في اللغة: الرحمة والشفَقة.

ـ وكان عمر أبو ريشة سفيراً لسورية في بعض دول أميركا الجنوبيّة ومن بناته (رفيف) التي عرضت دفتر التوقيعات على الشاعر القروي سنة 1950 ليوقع فيه فكتب مانصّه:

رأى أبواك حلماً عبقرياَّ

غريب الحُسْنِ رفاّفاً سنياً

فلم يُمهلهما الرحمان حتى

أعاد (رفيفهُ) بشراً سويّا

ـ والتهّنئة بالأولاد باب من أبواب شعر القروي، ونوع من ربط صلة المودّة بينه وبين أصحابه ومن يلوذ به، ومن ذلك قوله في التهنئة بمولود اسمه شكيب، واسم أبيه عبداللّطيف.

هذا ابن عبدك يا لطيف اربأ به

في الحق عن غيّ البيان وعيّه

سميّته باسم الأمير تيمّناً

فارْزُقْهُ باهِرَ علمهِ ورُقيّه

حقق لكل مؤرخ فألاً به

ليعيش في الأوطان مثل سميّه

وكان الأب سمّى ابنه تيمّناً باسم أديب مشهور هو شكيب أرسلان، وشيء آخر هو أنّ الشاعر أرّخ ولادة الطفل بالتاريخ الهجري 1360، ثم نظم أبياتاً فيها تاريخ ميلاده بالتقويم الشمسي الميلادي:

رزقت ياعبداللطيف الذي

سألت مولاك بقلب سليمْ

فليَنْمُ ولّيسْمُ كما تشتهي

ويشتهي كل صديق كريمْ

ليملأ الدنيا بإحسانه

ويملأ التاريخ ذكراً عظيم

وبعد كلمة التاريخ، بحساب الجمل يكون تاريخ ميلاد الصغير هو 1941م.

لقد عاش الشاعر القروي مع أحاسيس الأطفال، وعبّر عن مشاعر الودّ والمحبة، وشارك أصدقاءه أحوالهم، وهواجسهم ومسرّاتهم في أولادهم وشبه مرّة قلبه بقلب الطفل، وقال:

ولي إن هاجت الأحقاد قلب

كقلب الطّفل يغتفر الذنوبا

أودّ الخير للدنيا جميعاً

وإن أكُ بين أهليها غريبا

تفيض جوانحي بالحب حتى

أظن الناس كلهم حبيبا

أ.د محمد رضوان الداية