كانت امبراطورية الروم هي الأقرب للمسلمين لمسيحيتها وهذا ثابت في القرآن الكريم، وكان «هرقل» عظيم الروم أو إمبراطور الروم قد حكم إمبراطورية الشرق منذ سنة 610 ميلادية حتي 641 ميلادية بعد أن أطاح بالإمبراطور «فوقاس» عام 610.
وقد إستطاع أن يجمع شتات إمبراطوريته، وحين استطاع أن يهزم الفرس ويردهم عن القسطنطينية عام 622 ميلادية ونتج بعد ذلك ثورة في بلاد الفرس أطاحت بكسري الثاني وتمكن «هرقل» من إعادة عود الصليب إلي القدس.. في هذا التوقيت وفي أوج نصر «هرقل» بعث إليه الرسول بكتاب مع سفيرنا اليوم «دحيه بن خليفة الكلبي» وقيل أن «دحيه» توجه بالكتاب إلي الحارث ملك غسان ليوصله إلي قصر «هرقل» وقابله في بيت المقدس ومعه كتاب النبي الذي قام هرقل بتقبيله ووضعه بين فخذيه وخاصرته.وقد جاء في نص كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلي «هرقل»: بسم الله الرحمن الرحيم.. من محمد عبد اللَّه ورسوله إلي هِرَقْلَ عظيم الروم، سلام علي من اتَّبع الهُدَي، أَمَّا بعدُ: فإنّي أدعوك بدعاية ) الإسلام، أَسْلِمْ تَسْلَمْ أسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أجْرَك مرتين، فإنْ تَوَليتَ فإنَّمَا عَلَيْكَ أِثمُ الأَريسسيَّينَ و{ يا أهل الكتاب تَعالوْا إِلَي كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَْينَنَا وَ بَيْنَكُمْ، أَلا نَعْبُدَ أإلا اللّه وَ لا نُشْرك بَهِ شَْيئًا وَلاَ يَتَّخذَ بَعْضُنَا بَعْضا أَرْبَابًا منْ دون اللَّه، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسلمونِ».
وجاء في الرواية الأخرى: من محمد رسول اللّه إلي صاحب الروم: إني أدعوك إلي الإسلام، فإن أَسْلَمْتَ فَلَكَ ما لِلْمُسِلمينَ وعليك ما عليهم، وإِن لم تدخل في الإسلام فَأَعْطِ الْجِزْيَةَ فإن اللَّه تعالي يقول: { قَاتِلُوا الَّذِيْنِ لاَ يُؤْمنُونَ باللّه ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله وَ لاَ يَدينُونَ دِينَ الْحَقِّ منَ الَّذين أُوتُوا الْكتَابَ حَتَّي يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ» وَ إلاَّ فَلاَ تَحُلْ بين الفلاحين وبين الإسلام أَنْ يَدْخلوا فيه أو يُعْطوا الْجِزْيةَ.
لقد وجه الرسول صلى الله عليه وسلم الدعوة إلي هرقل بدخول الإسلام مشيراً الى أنه سينال عن ذلك أجرين، أحدهما عن إسلامه والثاني لدخول قومه في الإسلام من بعده، وإذا رفض ذلك فعليه ذنب الفلاحين الرافضين لدينهم، وتلي عليه المصطفى نص الآية الرابعة والستين من سورة آل عمران التي توجه الدعوة لأهل الكتاب إلي الاتفاق علي كلمة واحدة وهي عبادة اللّه وحده..
وجاء في رواية أخرى أن النبي دعاه إلي الإسلام فإن رفض فعليه أن يدفع الجزية وذكر له الآية التاسعة والعشرين من سورة التوبة والتي تدعو لقتال الذين لايؤمنون بالله حتي يؤمنوا أو يدفعوا الجزية.
وبعد ذلك كتب «هرقل» إلي رجل برومية كان يقرأ الكتب فأخبره بأن «محمد» هو النبي الذي ينتظره العالم وتخبر عنه الكتب وطالبه بإتباعه والإيمان به، فقام «هرقل» بجمع بطارقة الروم في الدسكرة (مقر الحكم) وأغلق عليهم الأبواب وأخبرهم بكتاب النبي.
وقال لهم أنه يصدق به ودعاهم لاتباعه فما كان منهم إلا أن تحروا نخرة رجل واحد أي أخرجوا صوتا سيئا دليلا علي الاستهتار والرفض « وهموا بالانصراف فأمر بإعادتهم وأخبرهم أنه كان يختبرهم في دينهم وأن ما بدر منهم سره فسجدوا.. فرد علي دحيه «سفير النبي» أنه يعلم أن النبي مرسل من عند اللّه لكنه يخشي علي نفسه من الروم، وطلب منه أن يتوجه إلي ضغاطر الأسقف الأعظم من الروم وأمره أن يذهب إليه ويخبره بأمر صاحبه وينظر ماذا يقول أي الأسقف..
وحين فعل «دحيه» ذلك رد عليه ضغاطر أنه يعلم أن النبي هو الرسول الذي أخبرت عنه كتبهم ثم أخذ عصاه وخرج علي الروم وهم في الكنيسة وقال لهم: «يامعشر الروم» قد جاءنا كتاب من «أحمد» يدعونا إلي اللّه وإني أشهد أن لاإله إلا اللّه وأن محمداً عبده ورسوله « فهبوا عليه وقتلوه..
فلما علم «هرقل» بذلك دعاهم لدفع الجزية فأبوا، أن يعطوا خير بلاد الشام للمسلمين أو يصالحوهم، فاستدعي أبو سفيان وكان في رحلة تجارية وعلم منه أن النبي من أوسط قومه ولم يقل أحد عنه كلاما يعيبه ولايغدر أو يخون، أما أتباعه فلا يفارقونه ولا يتخلون عنه، كما أن حلاوة الإيمان إذا دخلت قلب أحدهم لا تخرج منه حتي يموت، وأخبر «أبو سفيان» أنه يود أن يكون عند الرسول فيغسل قدميه، فخرج «أبو سفيان» وكان بعد لم يزل كافراً من عند «هرقل» يضرب كفا بالأخري وهو يردد.. أي عباد اللّه، لقد أصبح ملوك الروم يهابون بن أبي كبشة في عروشهم.