أعظم نعمة أفاءها الله سبحانه على الإنسان هي نعمة العقل.. وأعظم وظيفة يؤديها عقل الإنسان هي التفكير وأخطر عملية تؤديها هذه الوظيفة هي الابتكار وفيها يسعد المخلوق بلذة الكشف.. وجمال التعرّف وروعة التجديد. لهذا استخلف الله الإنسان في الأرض.. وعهد إليه بواجب القوامة على ما تحفل به من موارد وثروات وإمكانات. صحيح أن هذا المخلوق البشري قد يخطئ.

ولكنه أيضا قد يصيب. وصحيح أن يدعو الإنسان أحيانا بالخير بقدر ما يدعو في أحيان أخرى بالشر.. لكنه في كل حال موكّل بمسؤولية عمران الكون وصون آلائه والتحدث بما يحفل به من نعمة سابغة أفاءها فاطر الأرض والسماوات على سائر المخلوقات التي تدب فوق أديم الأرض من بشر ومن حيوان ومن نبات ومما نعلمه وما لا يعلمه سوى فالق الحب والنوى سبحانه وتعالى.

استنساخ لم يشأ القرن العشرون أن ينقضي وتنطوي صفحاته بكل أفراحها (البنسلين.. القلب الصناعي.. اللاسلكي مثلا) وبكل أحزانها (الحربان العالميتان مثالا آخر).. إلا وقد عمد القرن الماضي إلى تسجيل اختراع أو اكتشاف صاعق بمعنى الكلمة ولكنه ما زال موضعا للأخذ والرد بين صفوف المتخصصين وعامة الجماهير على السواء. في السنوات الأخيرة من القرن العشرين.. تسامع العالم باسم واحد أحاطوه يوما باهتمام استثنائي على مستوى الدنيا كلها: «دوللي».نعم.. النعجة «دوللي».. التي أعلنوا ولادتها من خلال عملية وصفوها في الانجليزية بأنها «كلوننغ» واختار لها قومنا اليعاربة اسم «الاستنساخ» كان ذلك بالتحديد في شهر فبراير عام 1997 حين أعلن العالمان كيث كامبل وزميله إيان ويلمرت الأستاذان في معهد روسلن في اسكتلندا عن مولد أول حيوان من الثدييات تم استنساخه في التاريخ.. رغم أن دوللي نفسها كانت قد ولدت قبل موعد الإعلان بعدة أشهر وبالتحديد جاءت إلى دنيا الأحياء يوم الخامس من يوليو عام 1996.

على أن إنجازات البحث العلمي، على نحو ما تسجله الدوريات الثقات (مجلة ساينس أو مجلة نيتشر مثلا) ــ ما زالت تؤكد أن تاريخ تجارب وعمليات أو محاولات الاستنساخ سابق على ولادة دوللي وأخواتها. لقد شهدت بدايات القرن العشرين نفسه محاولة الألماني أدولف دريتش التي أسفرت عن نمو بويضات القنفذ البحري داخل أنابيب الاختبار إلى حد إنتاج قنفذ قزمي يبدو أنه أصاب بالروع العالم المذكور لدرجة أن الرجل تحول من البحث التجريبي المعملي إلى دراسة علوم الفلسفة.

وفي عام 1952 قام أستاذان أميركيان من فيلاديلفيا بتزويد الحمض النووي في كيان بويضة ضفدعة في محاولة لم تحقق نجاحا ولكن واصلها باحث أميركي آخر هو الدكتور جون جوردون الذي كان قصاراه أن شاهد نمو كائن أقرب إلى الضفدع البالغ الصغر.. وكان ذلك في عقد السبعينات.

وثم أن استمرت المحاولات والتجارب العلمية مع ما طرأ من تطورات على علوم الهندسة الوراثية ولا سيما بعد دخول آلات الحساب الالكتروني ومعها ماكينات الذكاء الاصطناعي حياة الناس، ما بين مكاتب المفكرين إلى معامل ومختبرات العلماء والباحثين. في هذا الإطار انصب التركيز على حيوانات من نوعية الخراف والماعز.. باعتبارها من الثدييات التي تقارب في وظائفها العضوية جسم الإنسان.

تكاد الأوساط العلمية الرصينة تجمع على أن موضوع الاستنساخ ما زال قضية محورية وخلافية بكل تأكيد.. ذلك لأن لها أبعادا أخلاقية ودينية وسلوكية.. بعضها يمكن فهمه أو تناوله بالفكر والتحليل.. وبعضها يشير بأصبع الحذر والتنبيه والإنذار إلى باب يفتح ثم لا يغلق قط من أبواب العواصف الرهيبة التي يمكن أن تصل بالحياة البشرية إلى حال من التمزق أو الدمار ــ خاصة إذا ما تسللت أفاعي الفضول أو الشر أو البغض أو العدوان إلى حيث استنساخ ــ أو محاولة استنساخ ــ الكائن البشري ذاته، دع عنك ما تصوره كتابات الخيال العلمي من محاولة اصطناع كائنات أو جيوش أو شعوب عملاقة تجاوز في إمكاناتها ما شاءت إرادة الخالق عز وجل أن تبدعها في فطرة البشر.

في كل حال فقد جاءت «دوللي» إياها نتيجة التعاون بين زميلي البحث الجديد حيث تخصص أولهما «كامبل» في علم بيولوجيا الخلايا فيما تخصص الثاني ــ «ويلموت» في علم الجينات. وكانت النعجة الوافدة هي التجربة الوحيدة التي صادفت النجاح من بين 29 تجربة فاشلة في هذا المضمار عمدا خلالها إلى محاولة استنبات 277 بويضة وكان أن سجلا اكتشافهما في مدينة أدنبرة بتاريخ 31/8/1995.

ورغم هالات الدعاية والشهرة التي نالتها دوللي، بوصفها ثمرة هذا النجاح وتجسيدا له، ورغم أن صورها ظلت تطالع الناس في كل أركان المعمورة.. فلم يقدر لها أن تعيش طويلا شأن أقرانها من جنس الأغنام ــ الطبيعيين كما نسميهم. (معدل العمر الطبيعي هو 12 سنة) لقد أصيبت النعجة دوللي بالعديد من الأمراض لدرجة أن استوجب الأمر حقنها بمادة مهلكة لتفارق الحياة يوم 14/2/2003.

مع هذا كله فما زال هناك من يحمد للقرن العشرين أن غربت شمسه مخلّفا للبشرية وسيلة الكلوننغ ــ الاستنتساخ، لا من أجل إنتاج أو تصنيع أو تخليق كائنات بشرية، ولكن من أجل المساهمة فيما يوصف مجددا بأنه «الاستنساخ العلاجي» الذي يرّوج دعاته ومؤيدوه إلى إمكانية استنبات أعضاء أو أجزاء بشرية يمكن في يوم من الأيام أن تصلح بدائل عن مثيلاتها التي تجتاحها الأمراض أو تصيبها عوارض العطب خلال حياة الإنسان.

ومنهم من ينبه بالذات إلى إمكانية استخدام هذه الأساليب لعلاج آفات بالغة الخطورة مثل الشلل الرعاش أو خرف الذهن ــ وعطل الذاكرة المعروف باسم الزهايمر.. و.. يبقى في التحليل الأخير القول إن الجانب الإيجابي في هذه المسيرة كلها يؤكد أن العلم ــ مهما بلغت منجزاته ــ لا بد وأن يستهدي باستمرار بوحي السماء وصوت الضمير ومنظومة الأخلاق.. بمعنى أن حضارة الإنسان إنما تحلّق بجناحين لزوم التوازن عند الانطلاق وهما جناح العلم وجناح الدين.

الشريط الشفاف

قصدنا أن نضع هذا الاختراع.. بكل بساطته وربما قلة شأنه ــ جنبا إلى جنب مع قرينه في هذا الحديث وهو اكتشاف الاستنساخ بكل خطورته وارتفاع شأوه. وما زال قصدنا في هذا السياق هو التأكيد على النظر بعين التقدير والاعتبار إلى كل ما يشكل إضافة إيجابية وبناءة ولو في حدود اللمسة البسيطة إلى حياة البشر ورفاههم وراحتهم وسلامهم النفسي.. وكل ما يؤدي إلى عمران الأرض كي يسودها العدل والسلام.

لهذا نحتفل بمن توصّل إلى اكتشاف شريط اللصق البسيط الشفاف: اسمه «ريتشارد درو»، مولود منذ 120 عاما.. اشتغل عاملا فنيا في شركة متواضعة بولاية مينسوتا الأميركية.. كان ذلك عام 1923 وكانت الشركة الصغيرة تعمل في إنتاج الورق المرمّل ــ ورق الصنفرة (بالصاد أو بالسين في الأعراف اليعربية). ومثل كل عقلية ابتكارية.. شرع في إجراء تجاربه الخاصة ــ بعيدا عن حيز الشركة ــ لتطوير نوعيات جديدة من هذا الورق المخصوص المستخدم ــ كما هو معروف ــ في مجالات شتى منها مثلا الصناعات الخشبية وما إليها.

توصلت تجاربه إلى إمكانية عزل مواد الاحتكاك من سطح شرائط السنفرة بحيث يمكن أن يفضي إلى ورق له صفة لاصقة يتاح استخدامها بالذات في عمليات طلاء السيارات بلونين.. حيث كان العمال يشكون من أنهم يخلعون اللون الأول على جسم السيارة ثم يسترونه بشرائط سميكة ريثما يمارسون إضفاء اللون الثاني..

ولكن ألوان الطلاء لا تلبث أن تنقشع أو تزول أو تتشوه عندما يشرعون في نزع الشريط الذي غطى مساحتها.. عرض ريتشارد لهذا شريطه الجديد الذي يلتصق ويسهل نزعه دون آثار أو أضرار.. وكان طبيعيا أن تفشل المحاولة الأولى.. مما دعا صاحب الجراج إلى أن ينهره قائلا في لهجة من التقريع:

- خذ شريطك الخائب هذا واذهب به إلى الجماعة «الاسكوتش» الذين تعمل عندهم وقل لهم يكفوا عن بخلهم ويضعوا على الشريط مزيدا من الصمغ.

كلمة «اسكوتش» كانت تعني أهل اسكوتلندا وكان التلميح هنا يغمز من قناتهم لأنهم مشهورون بالبخل بين شعوب الغرب. بعدها أضفى المخترع مزيدا من التجويد على ابتكاره حيث توصل بعد تجارب مضنية إلى خلطة لصناعة الشريط اللاصق المنشود تتألف من مطاط وزيوت وأصماغ الراتنج يكسو بواسطتها سطح الشريط الجديد..

وبعد أن نجحت تجاربه بدأ يفكر في اسم يخلعه على الاختراع.. ولم تسعفه الذاكرة إلا بعبارة التقريع التي سمعها يوما من زبون قديم ــ فكان أن أطلق على الاختراع اسمه الذي أصبح معروفا: سكوتش تيب وهو الاسم الذي ما زال شائعا منذ تسجيله في دفاتر البراءات بتاريخ 30 مايو عام 1928.

وعلى عكس كثير من ابتكارات القرن العشرين فقد جاءت سنوات الكساد الكبير من أواخر العشرينات إلى مطالع الثلاثينات خيرا وبركة على الشريط اللاصق الشفاف وكأن مصيره كان يجسد فكرة مصائب قوم عند قوم فوائد: لقد أدت حالات الفقر في تلك الأزمة إلى اتساع استخدام الشريط اللاصق من أجل رتق المعاطف القديمة ولصق المقاعد المتداعية بل وترقيع بيض الدجاج المنكسر ريثما يتم استخدامه وقد كان أقرب إلى العملة الصعبة في ذلك الزمان.

. ثم نشبت الحرب العالمية الثانية ليزداد إقبال العسكر والمدنيين على هذا الشريط النافع البسيط.. لدرجة أن الشركة المنتجة كانت تنشر إعلانات تعتذر فيها عن عجزها وعجز المخترع الأمثل «ريتشارد درو» عن تلبية المطالب المتزايدة لجماهير المستهلكين.. وكانت إعلانات مفعمة بروح من السعادة في كل حال.

محمد الخولي