إن كان الدين الإسلامي، قد فرض الفرائض وأوجب الواجبات على الأمة الإسلامية وحدد حدوداً يجب الوقوف عندها وعدم تعذيبها فليس معنى ذلك أنه يريد تعذيبهم أو إرهاقهم أو أن ذلك يتعارض مع مصالحهم. كلا!

وإنما فرض الفرائض وأوجب الواجبات للمصلحة الدينية والدنيوية معاً ولمصلحة الفرد والمجتمع.والمعروف أن التشريع الإسلامي استهدف في أحكامه تحقيق مصالح الناس ودرء المفاسد عنهم.

والمصالح المعتبرة في الشريعة الإسلامية هي: مصالح ضرورية.. وهي عبارة عن المحافظة على الدين والنفس والعقل والنسل والمال، لأنها تتوقف عليها حياة الناس في الدنيا والآخرة، بحيث إذا فقد بعضها اختل نظام الحياة.ومصالح حاجية.. وهي التي تدفع الحرج عن الناس كما في بعض صور المعاملات في الإباحة والتحريم ولكنها ليست ضرورية.

ومصالح تحسينية.. وهي التي تستهدف إلى الأخذ بمحاسن العادات والوصول بالمجتمع إلى الكمال الأخلاقي ولكنها لا تستهدف المحافظة على مصلحة ضرورية ولا دفع حرج عن الناس.

وهناك مصالح ألغاها الشارع من الاعتبار كالرهبانية في الإسلام بقوله عليه الصلاة والسلام: «لا رهبانية في الإسلام» لأنها لا تتفق ومبادئه وتقدير النفع والضرر متروك للشارع وحده وليس لأهواء الناس، لأنه أعلم بما ينفع البشر وما يضرهم.

كما أن مقياس الصلاح والفساد يرجع إلى قواعد الشريعة ومقاصدها ولذلك فإن القوانين الأساسية جاءت بها الشريعة الإسلامية لا تتغير ولا تتبدل لأنها صالحة لكل زمان ومكان.

فالشريعة الإسلامية لها غاية مثالية، وليست نفعية فحسب ولذلك نظمت واجب الفرد نحو ربه (عن طريق العبادات) وواجبه نحو نفسه (عن طريق تهذيب أخلاق الفرد) فضلاً عن تنظيم علاقة الفرد بغيره من الناس ومن هنا كانت الشريعة قانوناً وديناً وأخلاقاً في نفس الوقت.

وهذه الغاية المثالية في الفقه الإسلامي، هي التي أدت إلى عدم الفصل بين القواعد القانونية والقواعد الأخلاقية والدينية فقامت كثير من النظريات القانونية في الفقه الإسلامي، على أساس أخلاقي تخص منها بالذكر نظريتين لم يعرفهما القانون الروماني ومازالتا تتعثران في الشرائع الحديثة هما: نظرية سوء استعمال الحق، ونظرية الضرورة (ومن أهم تطبيقاتها في الشرائع الحديثة نظرية الظروف الطارئة).

فالفقه الإسلامي يقيد استعمال الحق فقط بعدم وجود نية إيذاء الغير أو انتفاء الإهمال أو المصلحة بالنسبة لصاحب الحق، بل يقيد استعمال الحق أيضاً بالغرض الاجتماعي والاقتصادي الذي تقرر الحق من أجله.ومن أهم تطبيقات سوء استعمال الحق في الفقه الإسلامي حقوق الجوار والرفق بالمدين عند التنفيذ على أمواله.

أما نظرية الضرورة فقد صاغها الفقهاء المسلمون على أساس بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي يعبر عنها بعبارات مختلفة (لا ضرر ولا ضرار)، (والمشقة تجلب التيسير)، (والضروريات تبيح المحظورات)، (والضرر يدفع بقدر الإمكان).

والغاية المثالية للفقه الإسلامي هي التي جعلته يغلب مصلحة المجتمع على مصلحة الفرد دون أن يصل إلى حد إذابة كيان الفرد في سبيل المجتمع، فهو من ناحية يعترف للفرد بكيانه وكرامته داخل المجتمع فاعترف بالملكية الفردية، وهو من ناحية أخرى يراعي مصلحة المجتمع فيظنه على أساس من الأخوة والتكافل الاجتماعي.

فكل ما جاء عن الشرع الحكيم من وراء حكمة بالغة، فقد حدد الحدود ونهى عن تعديها وشدد فيها بعض الأحيان للمصلحة الدينية والدنيوية ولمصلحة الفرد والمجتمع.