هو من ذلك النوع الذي يعشق البدايات ويحتفي بها لأنه يحب دائما أن يمسك بالخيط من أوله. كان يحرص دائما على أن ينهض في الصباح الباكر كي يبدأ اليوم من أول الضوء ولم يحدث أن ظل نائما إلى منتصف النهار أو آخره. وعندما دخل المدرسة كان يجلس في الصف الأول من الفصل ولا يتذكر إطلاقا أنه قد جلس في الصف الثاني أو غيره من الصفوف طوال سنوات الدراسة.

كان إذا دُعي لحضور حفل أو مناسبة اجتماعية حرص على أن يكون أول من يحضر وأول من يغادر مكان الاحتفال، وكان إذا حضر اجتماعا وجدته أول الجالسين على طاولة الاجتماعات. لم يؤمن إطلاقا بمقولة (أن تأتي متأخرا خير من أن لا تأتي أبدا) لأنه اعتبرها حجة الكسالى والمتخاذلين الذين لا يحبون أن يكونوا من أصحاب البدايات دائما.

هكذا عاش حياتها كلها منذ مرحلة الطفولة التي اقترنت عنده ببدايات كثيرة مخزونة في الذاكرة، يستدعي ما يشاء منها كلما اقتضت الضرورة ذلك. ورغم عشقه هذا للبدايات إلا أنه يكره استنساخها لأنه يعتقد أن بدايات الأشياء قد تتشابه بشكل أو بآخر لكنها لا تتكرر ولا يمكن استنساخها بأي حال من الأحوال. كان يرى أن كل بداية حالة قائمة بذاتها لا يمكن أن تخرج من رحم حالة أخرى حتى لو تشابهت معها في بعض الملامح، فتناسخ البدايات عنده ضرب من الكفر الذي لا توبة منه ولا كفارة له.

هو لا ينكر أنه قد عاش بدايات كثيرة، ليس بالضرورة أن تكون قد قادته إلى نهايات سعيدة في مجالات من الحياة كثيرة، لكنه يعترف أن كل بداية شكلت منعطفا مهما في حياته على كل الأصعدة ورسمت علامة من علامات الطريق التي لا يمكن أن ينكر تأثيرها. هكذا كان اختيار مجال الدراسة مثلا بداية تركت آثارها على مسارات كثيرة في حياته.

وكان اختيار مجال العمل بداية أخرى ألقت بظلالها على خط سير حياته، وحددت المحطات التي انطلق منها قطار النجاح الذي حققه إن كان قد حقق نجاحا كما يظن، وتلك التي توقف في بعضها ليغير عربة القطار، وتلك التي دخل في بعض مراحلها أنفاقا معتمة فقد خلالها الرؤية، وتلك التي لا يعرف متى سيصلها ولا إلى أين ستحمله، وتلك التي لا يعرف متى سيلقي فيها حقائبه.

aliobaid4000@yahoo.com