كما كان الإمام محمد عبده مثلاً أعلى في شموخ العلم والعلماء أمام الحكام، يقول عنه الخديوي عباس حلمي الثاني: إنه يدخل على كفرعون ويداعبه أستاذه جمال الدين الأفغاني، فيقول له: »قل لي: ابن أي ملك من الملوك أنت؟! كذلك كان شموخ الشيخ المراغي أمام الحكام والأمراء، هذا ما يقوله د. محمد عمارة في كتابه الشيخ المراغي والإصلاح الديني في القرن العشرين.

ويضيف: زاره ــ رحمه الله ــ يوماً حاكم الأقاليم ببلدته المراغة، فحياه الشيخ التحية المناسبة ثم دخل عليه قارئ للقرآن، فحياه، واحتفى به أكثر من حفاوته بالحاكم، فلما انصرف الحاكم، سئل الشيخ عن علة هذا التفريق في المعالة؟ فقال: إن الحاكم قد أقبل وفي رأسه أنه حاكم!. يأتي الكتاب ضمن سلسلة هدايا مجلة الأزهر الصادرة عن مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر وعلى الرغم من قلة عدد صفحاته.حيث يأتي في 64 صفحة من القطع الصغير، إلا أن المؤلف د. عمارة استطاع أن يناقش قضية الإصلاح الديني ودور المراغي البارز فيه باقتدار وجدارة تحسب له، وجاءت هذه الصفحات مقسمة إلى أربعة أقسام، ناقش المؤلف في كل قسم قضية متباينة.

خصص د. عمارة القسم الأول من كتابه للتعريف بالشيخ محمد مصطفى المراغي، المولود بقرية »مراغة« التابعة لمركز »جرجا« بمحافظة سوهاج بصعيد مصر في التاسع من مارس سنة 1881م، الذي التحق بالدراسة الأزهرية عقب انتهائه من حفظ القرآن الكريم كاملاً، وهناك تلقى تعليمه على كوكبة من علمائه، وبدا مبكراً تأثره بعلماء التيار المجدد ومنهم شيخه الشاب على الصالحي، الذي درس المراغي عليه علوم العربية، وتأثر بأسلوبه في البيان والتعبير.

نقلة نوعية ويرى د. عمارة أن اتصال المراغي بالشيخ المجدد محمد عبده كان النقلة النوعية التي جددت مكانته العلمية ومستقبله في مدرسة الإحياء والتجديد والإصلاح، حيث تتلمذ على محاضرات الأستاذ الإمام في التفسير والتوحيد وتنقية العقائد الإسلامية من شغب المتكلمين القدماء، وفي البلاغة التي وصلت العربية الحديثة بعصر الازدهار، متخطية عصور الجمود والركاكة والانحطاط.

وأنه في السابع والعشرون من مايو 1904 تقدم لامتحان العالمية، فنال شهادة العالمية بتقدير الدرجة الثانية مثل أستاذه محمد عبده، وذلك لأن الطلاب السالكين طريق التجديد لم يكونوا في ذلك الحين يحظون بالرضى من قبل شيوخ الأزهر، الذين كانت تغلب عليهم المحافظة والتقليد.

ويشير د. عمارة في كتابه إلى أنه كما كان محمد عبده أنجب تلاميذ جمال الدين الأفغاني موقظ الشرق وفيلسوف الإسلام، وكان المهندس الأول لفكر مدرسة الأحياء والتجديد، وأبرز زعماء الإصلاح الديني كذلك كانا الشيخ المراغي أنجب تلاميذ الأستاذ الإمام، وحاصل لمشروع الإصلاح الديني الذي صاغته هذه المدرسة لتخرج به الأمة الإسلامية من بين شقي رحى التخلف الموروث والتغريب الزاحف على العقل المسلم في ركاب الاستعمار الغربي، والذي يتمدد في الفراغ الثقافي الذي صنعه الجمود والتقليد.

موضحاً أن المراغي اشتغل بالتدريس في الأزهر بضعة شهور، ثم رشحه الأستاذ للعمل بالقضاء، فكان مكان عمله السودان، الذي كان تحت الحكم الثنائي الإنجليزي المصري وتدرج حتى تقلد منصب قاضي الخرطوم، إلا أنه استقال لنشوب خلاف بينه وبين قاضي القضاة هناك والسكرتير القضائي مستر كارتر - حول اختيار المفتشين بالمحاكم الشرعية السودانية.

ويوضح أن عقب التقدم بالاستقالة ثم طلب الإجازة لمدة ثلاثة أشهر، عين الشيخ المراغي مفتشاً للدروس الدينية بديوان عموم الأوقاف، وجمع بين هذه الوظيفة وبين التدريس بالأزهر، ثم عاد إلى السودان ليتولى منصب قاضي القضاة، ليعود عقب قيام ثورة 1919، ويعتلي منصب شيخ الأزهر، ليكون أول شيخ للأزهر يطالب بتعديل أماكن شيوخ الأزهر في المراسم الرسمية لتنسيق الكثير من أماكن رجال الدولة الكبار، ويبقي في موقعه حتى عام 1945.

حيث أصابته وعكة صحية نقل على أثرها إلى مستشفى المواساة بالاسكندرية، ومع العلاج عكف على تفسير سورة القدر، ليلقي عنها حديثاً في ليلة القدر، إلا أن زيارة الملك فاروق له بالمستشفى أحدثت انقلاباً في حالته الصحية، حيث طلق الملك زوجته »فريدة« ويرغب في أن يفتي المراغي بتحريم زواجها من غيره، ولكنه بعد نقاش صارم قال للملك: »إن المراغي لا يستطيع أن يحرم ما أحل الله« وعقب اللقاء ساءت صحته..

وانتقل إلى رحاب ربه في الثاني والعشرين من أغسطس 1945 الموافق الرابع عشر من رمضان 1364 هــ. ويذكر الكتاب أنه على الرغم من أن الشيخ المراغي قد احترف صناعة الإصلاح أكثر مما احترف صناعة التأليف، وأنه أنجز في ميدان تربية العلماء أعظم مما أنجز في تسطير الكتب، إلا أنه قد ترك من الكتب والرسائل والمقالات، والأحاديث والأحكام القضائية ومذكرات مشاريع الإصلاح ما ينتظر الجمع في أعماله الكاملة التي ستثري فكر الاجتهاد والتجديد والإصلاح الديني على نحو أكيد.

حيث خلف غير الأحاديث والأحكام القضائية ومذكرات المشاريع الإصلاحية، بحث فقهي بعنوان »الأولياء والمحجورون« وتفسير جزء تبارك، وبحث في وجوب ترجمة القرآن الكريم، وبحث بعنوان »رسالة الزمالة الإنسانية« كتبه لمؤتمر الأديان بلندن عام 1936، وبحوث في التشريع الإسلامي وإنسانية قانون الزواج وعدة مباحث لغوية، وكتاب الدروس الدينية وهي تفسير لبعض السور والآيات القرآنية وعدة مقالات نشرت له في الصحف وخطب ألقيت في العديد من المناسبات.

دور قضائي وتشريعي وجاء القسم الثاني من الكتاب بعنوان »في الإصلاح القضائي والتشريعي«، ويؤكد فيه المؤلف أن الإصلاح القضائي والتشريعي إبان العقد الثالث من القرن العشرين كان من أهم الميادين التي أولاها المراغي عنايته، حيث مارس هذا العمل الإصلاحي من موقع »الخبير« لأنه تولي في هذا الميدان من المناصب الرفيعة ما ساعده على اكتساب الخبرة والمهارة، كتوليه لرئاسة التفتيش الشرعي بوزارة الحقانية ورئاسة محكمة مصر الكلية الشرعية وعضوية المحكمة العليا الشرعية ورئاسة المحكمة العليا الشرعية.

وأبان توليه هذه المناصب على امتداد نحو عشر سنوات، امتدت إصلاحاته إلى ميادين التشريع والتقنين للفقه الإسلامي، وطبق دعوة أستاذه محمد عبده إلى الاستفادة في التشريع من مجمل التراث الفقهي الإسلامي حيث ينقل عنه قوله للجنة تنظيم الأحوال الشخصية - التي رأسها »صفوا من المواد ما يبدو لكم أنه يوافق الزمان والمكان، وأنا لا يعوزني بعد ذلك أن آتيكم بنص من المذاهب الإسلامية يطابق ما وضعتم.

وإن الشريعة الإسلامية فيها من السماحة والتوسع ما يجعلنا نجد في تفريعاتها وحاجاتنا وتقدمنا في كل حين، ونحن في ذلك كله ملازمون محدود شريعتنا، ولكن فريقاً من متأخري العلماء رأوا أن كل ما جاء في كتب الفقه من المتون والحواشي والآراء المصيبة والمخطئة كل ذلك من الدين ومن أصوله، التي يجب أن يتمسك بها ولا نحيد عنها، وهم مخطئون في هذا الفهم.

ويضيف المراغي في ذلك: إن من ينظر في كتب الشريعة الأصيلة بعيد البصر، يجد من غير المعقول أن نضع قانوناً أو كتاباً أو مبدأ في القرن الثاني عشر من الهجرة ثم نجيء بعد ذلك فنطبق هذا القانون أو المبدأ سنة 1354 هــ،وأنه من ينظر في أقوال الأئمة من مذهب أبو حنيفة وما وقع بينه وبين أصحابه محمد وزفر وأبو يوسف، وبينهم هم، يجد التجديد في الأحكام الشرعية ميسوراً لنا، ويجد بطلان الدوام الأحكام معينة وبقارها حتى يبقى الدهر من الأمور البدهية، فالمسائل الفقهية مادامت غير قطعية فهي قابلة بحكم الشرع للتجديد والتغيير.

ويخلص د. عمارة إلى أنه يبدو جلياً من هذه الكلمة الموجودة التي ألقاها المراغي على أعضاء لجنة تنظيم الأموال الشرعية أن المراغي رسم منهاج الإصلاح والتجديد في التشريع والتقنين ثم وضع هذا المنهاج في الممارسة والتطبيق، وكان صدور قانون الأحوال الشخصية عام 1920 م أول إنجاز الإصلاح التشريعي، ثم تلاه تعديل قانون الطلاق، ثم إصلاح القوانين الحاكمة لعدة الزوجة التي غاب عنها زوجها والقانون الذي يجعل للحفيد الذي مات والده قبل جده ميراثاً في تركة جده.

إصلاح الأزهر

ويأتي القسم الثالث من الكتاب، ليتناول فيه المؤلف دور المراغي في إصلاح الأزهر الشريف، حيث كان حلم الأستاذ محمد عبده وكانت مقاصده العظمي من وراء جهاده الفكري - غير إصلاح مناهج الفكر والنظر، وتوسيع أبواب الاجتهاد وميادينه..

وتأكيد علاقة الصداقة بين العلم والدين، وبين الشرع والعقل والسنن الكونية والاجتماعية، ومن ثم كانت مقاصده إصلاح المؤسسات التي تصنع العقل المسلم، وتصوغ وجدان النخبة الإسلامية، التي علق عليها الآمال في قيادة الأمة على طريق الإقلاع الحضاري، وتجاوز المأزق الذي وقعت فيه بسبب التخلف الموروث، ولأن المراغي كان على نفس الدرب الذي سار عليه الأستاذ، فكانت قناعته تنطلق من مقاصد محمد عبده الإصلاحية.

وبمجرد أن تولي مشيخة الأزهر في الثاني والعشرين من مايو 1928 قاد مسيرة الإصلاح لهذا العهد العتيق وواجه تحديات جمة بشجاعة وإصرار، فأنشأ اللجان لدراسة واقع الأزهر، ولاقتراح سبل الإصلاح، وأنشأ التنظيمات الجديدة، التي تمثلت في كليات اللغة العربية والشريعة وأصول الدين، وأنشأ التخصصات العلمية داخل هذه الكليات، وأنشأ الدراسات العليا لخريجي هذه الكليات.

ويشدد د. عمارة أن الشيخ المراغي في سعيد وراء الإصلاح على صعيد مؤسسة الأزهر أعلن عدة مقاصد إصلاحية وهي: تعليم الأمم الإسلامية المتأخرة في المعارف وهدايتها إلى أصول الدين، إحياء التراث العلمي المجيد الذي خلفه لنا كبار علماء المسلمين، عرض الإسلام على الأمم غير المسلمة عرضاً صحيحاً في ثوب نقي خال من الفراش المشوهة لجماله، والعمل على إزالة الفوارق المذهبية أو تضييق شقة الخلاف بينها.

ويقول: إلى جانب هذا التنظيم للتعليم الأزهري، تم تنظيم التعليم قبل الجامعي - المعاهد - وفوق ذلك ومعه تم التطوير للمناهج الدراسية، على النحو الذي تجمع فيه بين الأصالة والتجديد، كذلك تم إنشاء نخبة الفتوى بالأزهر الشريف، وتم إنشاء قسم الوعظ والإرشاد بالأزهر أعيد تنظيم هيئة كبار العلماء، وأنه من يقرأ المذكرة التي كتبها المراغي منهاجاً لإصلاح الأزهر يدرك أن هذا الإصلاح إنما كان السبيل لتحقيق عالمية الإسلام، وبتحقيق العالمية للجامعة الإسلامية الأولي، وإصلاحها كي تكون جديرة بتحقيق هذه الرسالة العالمية للإسلام.

ويضيف: وتحدثت هذه المذكرة عن أن في الدين الإسلامي عبادات وعقائد وأخلاق وفقد في نظرة الأسرة وفقه في المعاملات، مثل البيع والرهن وفقه في الجنايات، وقد عرض الدين الإسلامي لغيره من الأديان وعرض العقائد لم تكن لأهل الأديان، وأشار إلى بعض الأمور الكونية في النظام الشمس والمواليد الثلاثة، من جماد ونبات وحيوان.

وقد هوجم الإسلام، من غيره من الأديان السماوية، وهوجم من أتباع الديانات السابقة، وهوجم من ناحية العلم، وهو جم من أهل القانون، ولهذا كانت مهمة علماء الإسلام شاقة جداً، في متناول الرد على هذه الاتهامات، وتستوجب منهم أن يكونوا على دراية بالمذاهب القديمة والحديثة والأديان السابقة وكل ما يجد في الحياة من معارف، وطرق البحث والحوار ومعرفة اللغة وفقهها وآدابها ومعرفة التاريخ وعلم الاجتماع.

عالمية الإصلاح الديني

أما القسم الرابع من الكتاب، فجاء بعنوان، »عالمية الإصلاح الديني« ويتناول فيه المؤلف سمة العالمية التي يتسم بها الإسلام وكيف أن الإصلاح في هذا الدين يجب أن تغلب عليه سمة العالمية، وربما يتضح ذلك جلياً من تصوير الرسول صلى الله عليه وسلم لأهل الشرائع السماوية المختلفة في صورة الأخوة.

والمنحدرين من أب واحد هو دين الله الواحد ومن أمهات متعددة لتمايز الشرائع الدينية في إطار الدين الواحد، فقال: الأنبياء أولاد علات أمهاتهم ودينهم واحد. ويشير د. عمارة إلى أنه لهذه الحقائق الإسلامية في الإخاء الإسلامي، طمحت مدرسة الإحياء والتجديد إلى مد أوامر الإخاء الديني والزمالة الإنسانية، والعالمية إلى ما وراء حدود مذاهب الإسلام..

فتحدث رائد هذه المدرسة جمال الدين الأفغاني عن اتفاق الأديان السماوية في المبدأ أو الغاية، وعن أن رجال هذه الأديان المتاجرين بها هم الذين حالوا بين أهل هذه الأديان وبين التقارب والالتقاء، ولما جاء المراغي حمل راية الإصلاح الديني في القرن العشرين، امتدت الآفاق بجهوده الإصلاحية إلى هذا الميدان، ميدان الزمالة الإنسانية.

وضرورة تعاون رجالات هذه الأديان على ما فيه مصلحة المتدينين بها، حيث دعي أبان توصية مشيخة الأزهر إلى حضور مؤتمر تاريخ الأديان الدولي السادس بيروكسل سبتمبر 1935 فقبل الأزهر الدعوة، وأوفد إلى المؤتمر كل من الشيخ مصطفى عبد الرازق والشيخ أمين الخولي، الذي قدم إلى المؤتمر نخباً نفيساً ومزيداً من »صلة الإسلام بإصلاح المسيحية« وبعد عودته كتب المراغي لهذا البحث تقدماً علمياً ضافياً.

ويشدد على أنه في العام التالي دعي المراغي لحضور المؤتمر في دورته السابعة المنعقدة في لندن عام 1936، ولما حالت مشاغله عن الذهاب كتب بحثاً عن »الزمالة الإنسانية والأخوة العالمية« وعهد إلى أمين عبد العزيز المراغي لإلقائه، حيث كان يدرس آنذاك في لندن. وفي هذا البحث طرح المراغي رؤيته للإخاء الديني مؤكداً أن نقطة البدء في هذا الطريق باجتماع رجالات هذه الأديان على هذا الإخاء ووضعه في الممارسة والتطبيق، ثم دعوة أبنائهم إلى السير على هذا الطريق.