لا أعرف، على وجه الدقة، إلى أي مرحلة زمنية ينتمي إنجاز مسجد المغفور له بإذن الله الشيخ ماجد بن صقر القاسمي، لكن من المؤكد أن عمارة هذا المسجد تحمل الكثير من المعاني الجديرة بالالتفات إليها والتوقف عندها وتأملها والخروج منها بخلاصات، لها دلالاتها.
وأول ما نلاحظه في عمارة هذا المسجد هو الميل إلى تأكيد معاني القوة والرسوخ والجلال، وهي معان غالباً ما تحيل إلى مؤثرات عمارة الداخل العربي، التي تنعكس في العديد من منشآت الساحل، وبصفة خاصة القلاع والحصون. هذا المسجد الذي يتداخل مع النسيج الحضري المجاور له، يستحضر ملامح الصورة المرتبطة في الذاكرة الجمعية للمسلمين بالمسجد من خلال مئذنته القوية وقبته الوحيدة وأيضاً الشكل العام لقاعة الصلاة الرئيسية. لكنك هنا أمام مئذنة ليست ككل المآذن، مئذنة تعيد أصداء الأبراج التقليدية التي طورت في العديد من أرجاء العالم الإسلامي لتغدو مآذن، يصعب على من رآها مرة أن ينساها.
القوة والجلال في هذه المئذنة لا يعنيان غياب الجمال، فالمؤثرات التحتية في بدن المئذنة عديدة، وشرفتها الوحيدة لا يمكن إلا أن تلفت النظر، خاصة عبر التخلص البارع من منطقة الشرفة إلى أعلى المئذنة. القبة البصلية الوحيدة التي تعلو المسجد هي من النوع الأثير المنتشر في الإمارات. لكن أبناء الإمارات يؤثرون أن تكون قبابهم بعيدة عن الزخزفة نحتاً أو تلونياً أو تأثيراً جمالياً، وبالمقابل نلاحظ هنا الأضلاع النافرة التي تمتد أضلعها من أسهل الهلال المعدني التقليدي إلى أعلى النوافذ المتناثرة في رقبة القبة والتي تتوجها عقود حدودية لافتة للنظر تردد أصداء مثيلات لها في أعلى الكتلة المعمارية لبيت الصلاة الرئيسي: هذه النوافذ العالية ونظيرتها الجانبية هي المصدر الرئيسي للإضاءة الطبيعية التي تنهل إلى قاعة الصلاة الرئيسية وتتكامل مع الثريا الموجودة في باطن القبة.
التركيز على القوة سنجده في أعلى السقف من الخارج الذي ينهض على أعمدة قوية، ويخلو من العرائس وتزنره بدلا من ذلك عن مستويين اثنين حشوات هندسية لافتة للنظر. في داخل قاعة الصلاة الرئيسية سنلحظ تقشف المشروع الزخرفي، وسنتوقف عند الأعمدة التي ترفع السقف عبر التيجان البسيطة، وليس العقود التي تتوقعها. في حائط القبلة سنتوقف عند ثلاثة عقود حدودية تتوج فضاء المحراب الذي يقسم على هذا النحو إلى ثلاثة أجزاء، الأيمن منها يضم المنبر الذي يكاد يصل إلى حد التجريد والأوسط يشكل المحراب.
حيث ينهل النور من الخارج مباشرة على نحو مفاجئ ومدهش لنراه كثيراً في مساجد الإمارات. الوزرة التي تتوقعها في أسفل جدران مثل هذه النوعية من المساجد لا وجود لها، لأنها تفسح مكانها لمكتبات صغيرة حجماً، عظيمة قدراً، حيث تستقر بها المصاحف غير بعيد عن أيدي المصلين.
كامل يوسف -تصوير: محمد شاهين