الابتهال هو التضرع تقربا إلى الله تعالى في عليائه، فالله تعالى هو الأحق بالتقرب إليه لطلب العون عند الحاجة، ومن ثم فالابتهال فن راق، لو توافرت مقوماته لاستطاع المبتهل أن يجعل كلماته التي يبتهل بها تخترق قلوب السامعين، فيكون أثرها عليهم كبيرا فالمشاعر تتحرك.
والقلب يهفو إلى رحاب الرسول الطاهرة، والعقول تبحث وتهيم في ملكوت الله، طالبة أعلى درجات الهداية خوفا من الله وطمعا في جنته، هكذا تصل كلمات المدح النبوي أو الذكر إلى أعماق المؤمنين فتزيدهم يقينا، وتقربهم إلى الله تعالى، وتزيدهم حبًّا في رسوله صلي الله عليه وسلم، وتدفعهم إلى المزيد من الطاعة. هكذا أدرك الشيخ عبد التواب البساتيني أحد أشهر المبتهلين المصريين خلال العقود الثلاثة الماضية، فهو واحد من تلاميذ مدرسة الكبار في فن الابتهال، وعلي رأسهم الشيخ على محمود ونصر الدين طوبار وسيد النقشبندي، وهو إلى ذلك قارئ للقرآن، هذا المبتهل الذي بدأت علاقته بالقرآن منذ الصغر، حيث دفعته أسرته في صغره إلى كتاب القرية التي ولد فيها بجنوب القاهرة وبالتحديد في محافظة بني سويف، لينتهي من حفظ القرآن وسنه لا يبلغ 13 سنة.
رحلة قرآنية وفي المدرسة التي تجاور منزل العائلة تعارف البساتيني على معلميه، وأصبح قريب جدا منهم وساعده على ذلك طيبته وجمال طلعته وحسن معاملته مع من يكبره، وذات مرة سمعه أحد معلميه يقرأ القرآن وينشد الكلمات الجميلة، فأعجب جدا به وطلب منه أن يعيد ما كان أمام ناظر المدرسة، وهنا شعر بالخوف الشديد من ناظره وناظر كل المدرسة، إلا أن الناظر شجعه على ذلك، فلما فعل أخذه الناظر وذهب به إلى والده ليطلب منه أن يلحقه بمكتب لتحفيظ القرآن وتعليم أحكام التلاوة والتجويد بدأت رحلة البساتيني مع علم القراءات والتجويد بعد عام واحد من إتمامه لحفظ القرآن أي كان عمره آنذاك لا يتجاوز 14 سنة، وبإصرار ورغبة في التميز بدأ المشوار فكانت الاستفادة عظيمة؛ حيث تعلم حفظ القرآن سليمًا خاليًا من اللحْن والأخطاء، وذلك على يد شيخ يتقن القرآن، مما ثبته وأكد معانيه في ذهني، وعقب الانتهاء من حفظ كتاب الله تجويدا وترتيلا انتقل إلى الشيخ أحمد رشوان حتى يتولي اختباره لمنحه إجازة في قراءتي حفص ونافع، وبالفعل حدث ذلك ونال الإجازة من الشيخ رشوان.
وعقب حصول الشيخ عبد التواب البساتيني على الإجازة في قراءة القرآن بروايتي حفص ونافع، قرر أن يلتحق بمعهد القراءات لكسب المزيد من المعارف القرآنية، خاصة وانه في هذه الآونة قد قرر أن يستمر في طريق تلاوة القرآن والابتهال، وبالفعل حصل على عالية القراءات عام 1979، ثم بدأ القراءة في المناسبات، والطريف في الأمر أن الشيخ أحمد رشوان الذي أشرف على تحفيظه القرآن، ومن أجاز له القراءة، كان يحصل على كل الأجر الذي يتقاضاه البساتيني نظير التلاوة في المناسبات، إلا أن الشيخ الصغير كان يعبر دائما عن سعادته البالغة لأنه يقرأ القرآن أمام الناس ويجد تجاوبًا كبيرًا منهم.
عالم الابتهال
بعد أن قضى البساتيني فترة التجنيد الإجبارية من 1966 حتى 1974 بدأ دراسة جديدة من نوعها ألا وهي دراسة المقامات الموسيقية، لأنه في هذه الآونة قرر الاتجاه إلى عالم الابتهال؛ حيث كان من عشاق كبار المبتهلين المشايخ على محمود وطه الفشني والنقشبندي، وكثيرا ما كان يدعو الله تعالى أن يصبح في يوم من الأيام مبتهلاً مثل هؤلاء فاستجاب الله تعالى لدعوته، وأهم ما كان يلفت إعجابه في هؤلاء المبتهلين أن كل واحد منهم له مدرسة متميزة في الابتهال، حيث لا يقلد واحدٌ منهم الآخر.
يقول الشيخ عبد التواب البساتيني عن أهمية حفظ القرآن في الصغر: الحفظ في الصغر نعمة كبيرة، حيث لا ينساه الطفل بعد ذلك، لأنه يكون خالي الذهن وعديم المسؤوليات، مما يهيئ له أن يحفظ القرآن بسهولة ولا يخرج من ذاكرته إطلاقًا، أما الكُتَّاب فقد ساعدني كثيرًا في أن أجيد قراءة القرآن وحفظه.
كما أن الحفظ على يد متخصص وبطريقة التلقين حافظت على اللغة العربية عندي وحسَّنتها مما أفادني كثيرًا بعد ذلك، والمؤسف أن الناس لم تعد تهتم بالكُتَّاب كما ينبغي، وهو ما أدي إلى ضعف الارتباط بالقرآن وباللغة العربية معًا، خلافًا لما كان يحدث منذ فترة.
حيث كان الاهتمام بالكُتَّاب يفوق الاهتمام بالمدرسة عند عدد كبير من الأسر، وكان الجميع بلا استثناء يحرص على تحفيظ أبنائه القرآن، مما رفع من تحصيلهم العلمي أيضًا، بدليل أن من حصل على الابتدائية في تلك الفترة كان أفضل في القراءة والكتابة والنطق السليم من بعض الحاصلين على مؤهلات عليا حاليًا. ويؤكد البساتيني أنه تعلم من رموز الابتهال الكبار أمثال المشايخ النقشبندي وعلي محمود والفشني أنه لكي ينجح المبتهل لابد وأن يكون صاحب مدرسة وأسلوب متفرد في الأداء.
ومن ثم أحرص دائما على أن يكون لي أسلوبي الخاص، حيث صقلت الموهبة لدي بالدراسة، كما أرفض تقليد أي مبتهل، وأرى أن المبتهل الجيد هو الذي يبتكر أسلوبًا جيدًا ينفرد به بين زملائه، مشيرا إلى أن أكثر الأبيات التي يشعر بها أثناء إنشادها، تلك التي كتبت في مدح الرسول، وهي:
يا سعْدُ عينٍ قد رأتــك
وحظُّ قلبٍ فيك هام
وسلوا المُشاهِد لا الدَّعيَ
ومن تشدق بالكلام
لأنني أثناء إنشادها دائما ما أتخيل وقوفي بين يدي النبي - صلي الله عليه وسلم? ومن ثم تمتلئ عيني بالدموع وأجد نفسي أبكي وأتوقف عن الأداء، فالبكاء يمنعني من استكمال الابتهال. كلمات محددة ويوضح البساتيني أن الأبيات التي ينشدها في ابتهالاته يتولي كتابتها له بعض الشعراء، ومنهم المستشار صلاح بريك، والأستاذ محمد طه، والشيخ أحمد عبد الحكم.
وهم من الموهوبين في كتابة الشعر، وأطلب منهم كلمات محددة في المناسبات مثل الهجرة والإسراء والمعراج وتحويل القبلة، فضلاً عن بعض الكلمات التي أنتقيها من التراث من بردة الإمام البوصيري وغيرها، ثم يتولي بنفسه تلحين هذه الكلمات؛ حيث يحصل على الكلمات، ثم يحدد المقام الموسيقي الذي يصلح، لها وأُجري بعض التعديلات حتى يكون الابتهال جاهزًا للإنشاد.
ويشدد على أن القول بأن الساحة الآن تعاني من نقص حاد في المنشدين ظلم كبير لكل مبتهلي هذا العصر، لأنه لابد من الأخذ في الاعتبار التوقيت الذي ظهر فيه هؤلاء المبتهلون، حيث كان الناس لديهم وقت فراغ وأذهان متفتحة للاستماع للابتهالات والتأثر بها، بعكس الوقت الحالي الذي انشغل فيه الناس بأعمالهم واختفى »السمِّيعة« الذين يعشقون الابتهالات ويقدرونها، فضلاً عن تأثير التليفزيون الذي استولى على جانب كبير من اهتمامات الناس.
وعن المواقف الطريفة التي تواجهه أثناء الإنشاد في الحفلات، يقول: تعود الناس أن يطالبوني بإعادة بعض الأبيات، التي يتأثرون بها، ولكن المثير أنني كنت في حفلة بإحدى مدن الصعيد، فأصابني »سعال« خلال الإنشاد فطالبني الحاضرون بإعادة »الكُحة« مرة أخرى، كما كان الشيخ إسماعيل صادق العدوى، رحمه الله، يستمع إلى في إحدى المرات، فتأثر جدًا بالابتهال لدرجة أنه قام »بسبِّي« بصوت مرتفع من فرط الاندماج مع الكلمات.
ويذكر الشيخ عبد التواب البساتيني أن الابتهال فن رائع، أرجو أن يتم الاهتمام به خاصة من جانب وسائل الإعلام التي لا تعرضه إطلاقا سوي في إطار الحفلات الرسمية، ويستثنى بالطبع إذاعة القرآن الكريم، التي تمثل الراعي الأول للمبتهلين في مصر، ولها الفضل على المؤديِّن للابتهالات والجمهور في نفس الوقت، مطالبا القائمين على وسائل الإعلام في مختلف البلدان الإسلامية بضرورة الاهتمام بالتواشيح، وهي تختلف عن الابتهالات في أنها تُؤدي بصورة جماعية، وهي فن راق للغاية تلاشي حاليًا بسبب عدم الاهتمام، وأدعو إلى إحيائه مرة أخري.
وينصح المبتهل الشيخ عبد التواب البساتيني شباب المبتهلين دائما بضرورة توافر الصوت الجيد، ثم صقل تلك الموهبة بالدراسة، وإجادة اللغة العربية، والأهم من كل ذلك الإخلاص؛ لأن ما خرج من القلب وصل إلى القلب، فليس كل من يبتهل يؤثر في الناس ويصل إلى قلوبهم.