ويتواصل الحديث في هذا الموضوع المهم نودع به هذا الشهر الفضيل الذي تنضبط شعائره انضباطاً دقيقاً مع الوقت، فبدء صيامه رؤية الشهر »فمن شهد منكم الشهر فليصمه« ويبدأ الصوم مع الفجر ويكون الإفطار مع الغروب، عند أذان المغرب »وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل«.

ونمضي مع التقسيم القرآني للوقت لنقف عند العشي، وقد يتبادر إلى الأذهان أن العشي هو المساء، ولكن الأمر يبدو على غير هذا التصور، لأن العشي جاء مقابلاً للبكرة في قوله تعالى: »فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشياً«، فإذا كانت البكرة ـ كما مر علينا ــ هي أول النهار، فالعشي ما دام يقابله فهو آخر النهار، وعلى ما يبدو المقصود به الوقت الذي يخفت فيه الضوء فلا تتضح الرؤية تماماً.ومنها الأعشى، وهو الشخص الذي لا يرى جيداً في مكان تنعدم فيه الإضاءة أو لا تكون فيه إضاءة على حد كاف للرؤية، ومن ذلك المثل القائل »خبط عشواء« وهي الناقة الضعيفة الإبصار والتي تخبط على غير هدى أو اتزان. وبعض علمائنا توسعوا في معنى العشي فقالوا إنه يشمل الوقت ما بين الظهر إلى المغرب ولذلك يقولون لصلاتي الظهر والعصر إنهما صلاتا العشي، مثلما يطلقون على صلاتي المغرب والعشاء اسم صلاتي العشاءين. أما الغروب فمرتبط بغروب الشمس واختفائها تماماً، وهو الوقت الذي تحين فيه صلاة المغرب.

ومن الناحية الشرعية فإن اليوم ينتهي بغروب الشمس ليبدأ بعده يوم جديد أو بالأحرى ليلة يوم جديد لأن الليل سابق النهار، ألا ترون أننا بعد غروب شمس يوم الخميس مثلاً نقول على ليله إنها ليلة الجمعة؟ ووقت الغروب يلاحظ أنه مرتبط بثلاث عبادات: صلاة المغرب، ووقت الإفطار في رمضان، ونفرة الحجيج من عرفات في موسم الحج.. يا سبحان الله.

ويسترعي انتباهنا في تقسيمات الوقت القرآنية هذا التشابه في بعض الأوقات، غير أن هذا التقسيم وإن بدا فيه بعض التشابه إلا أنه جاء في نسق يمضي مع التدرج في ساعات الليل والنهار بصورة تضفي على هذه الأوقات هذه المسحة الجمالية المحببة إلى النفس، وبالتالي يكون هذا التسلسل حبيباً ومريحاً للنفس، فمن ضمن هذه التقسيمات القرآنية لهذه الساعات الزمنية، نجد المساء والغسق، تماماً كما نجد العشي والغروب، فالمساء يقابله الصباح، وهذه المقابلات جميلة.

قال تعالى: »فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون« وفي الغسق نجد أن ذكره ورد في سورة »الفلق« إحدى المعوذتين. قال تعالى: »ومن شر غاسق إذا وقب« قال المفسرون: الغسق: الليل، ووقب: اشتدت ظلمته فشملت كل شيء، هذا و قد ورد علينا الغسق في آية سورة الإسراء في قوله تعالى: »أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل« فهو إذن مرتبط بالذكر والتسبيح.

وفي التقسيم ترد »فحمة الليل« أي سواده، وكذلك من التسميات المقصود بها أول الليل »العتمة« ويقال لصلاة العشاء »صلاة العتمة« لما ورد في الحديث الشريف »ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما حبواً« رواه الإمام أحمد في مسنده، والمقصود صلاة العشاء وصلاة الفجر. يبقى بعد ذلك من أقسام الوقت حسبما ورد في القرآن: القطع (بكسر القاف) أي طائفة من الليل وقيل: ظلمة الليل.

والشاهد على ذلك القرآن، قال تعالى: »كأنما أغشيت وجوههم قطعاً من الليل مظلماً« تأكيداً على سواد هذه الوجوه من أهل النار، ولا يخرج من هذه الدائرة الزلف والآناء، ونبقى بعد ذلك مع ناشئة الليل ولعلمائنا المفسرين أقوال فيها، قالوا: العبادة التي تنشأ في الليل، ينتزع المسلم نفسه من تحت الأغطية من نوم عميق على فراش وثير وينهض فيتوضأ.

ومن ثم يقرأ ما تيسر له من القرآن ويذكر الله في هدأة الليل وسكونه، وهو وقت تصفو فيه النفس بعيداً عن ضوضاء وصخب النهار، فالعبادة ليلاً تثبت في القلب، قال تعالى: »إن ناشئة الليل هي أشد وطئاً وأقوم قيلاً«، والخطاب وإن كان موجهاً للنبي صلى الله عليه وسلم إلا أننا نحن ــ معشر المسلمين ــ معنيون به، فماذا نقول لهؤلاء الذين يفوتون هذه المتعة الروحية بما لا يعود عليهم بفائدة.

وأما السحر فيطلق على القطع الأخير من الليل، ومنه اشتق السحور في رمضان لأنه الوجبة التي يكون بعدها الإمساك. يبقى بعد ذلك أن نتساءل: ما الحكمة في اختلاف الأوقات وتنوعها على الأرض، ليس هذا فحسب وإنما أيضاً هذا التدرج الزمني، فمثلاً إذا أخذنا الصباح: فجر وبكور وشروق وغداة وضحى...الخ.

إنها لوحات جمالية كونية تلون حياتنا بألوانها المختلفة فلا نشعر بالملالة والرتابة في تعاقب الليل والنهار في غمرة هذا التدرج الملون. لولا هذا التغير وهذا التدرج الذي ربما لا نحسه لتعودنا عليه ولكنه فعلاً يلهم ريشة الرسام فيبدع لوحاته ويلهم الشعراء قصائدهم وفوق هذا كله هو المقوي والمحفز للمؤمنين القانتين المسبحين في هذا السبح الطويل نهاراً وليلاً.

وثمة أمر تجدر الإشارة إليه وهو مع هذه التقسيمات الزمنية، هناك اختلاف في توقيتها من بلد إلى بلد ومن قارة إلى قارة، وفي ذلك حكمة هي أن المخلوقات من الجن والإنس إنما خلقت لغاية واحدة هي عبادة الله سبحانه وتعالى: »وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون« وفي هذا الاختلاف في التوقيت تكون الأرض كلها من أقصاها إلى أقصاها في عبادة مستمرة حسب اختلاف الوقت بالنسبة للصلوات أو بدء الصوم، إلا الحج هو العبادة الموحدة من كل أطراف الأرض لأن مركزها مكة المكرمة والجميع يلتزمون بذلك، إن الأذان وفقاً لهذا الاختلاف يرفع في الأرض تقريباً على مدار الساعة.

إن الوقت ــ أيها الأحبة له قيمته العظيمة في الإسلام ويكفي دلالة على هذا التعظيم أن قرنه المولى عز وجل بالذكر والتسبيح. قال تعالى: »فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى« (سورة طه الآية 130) وقال تعالى: »فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السموات والأرض وعشياً وحين تظهرون« (سورة الروم الآيتان 17 ــ 18) أفبعد ذلك كله تأخذنا الغفلة؟