معاشر الصائمين والصائمات، ها قد أوشك حديثي على النهاية، وشرعت صفحاته تطوى صفحة صفحة، وأنشأت عرى قميصه تنحل عروة عروة، ضمنته ما اعتلج في صدري، واختلج في خاطري مما فتح الله علي فيه.
لم يكن حديثي هذا بدعاً من الأحاديث، أو نافلة من القول، أو ضميراً مستتراً، أو مرفوعاً بضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها التعذر والثقل، أو اسماً محذوفاً، أو واو عمرو في الزيادة، أو واو داود في النقصان، أو معتل الأول، أو الوسط، أو الآخر؛ وإنما هو من بنيات فكري، ونسيمات شهري، نسجته يد البلاغة ودبجته أساليب البراعة، وفوفت بردته جودة السبك وسحر البيان.
هذا الكتاب الذي هام الفؤاد به
يا ليتني قلم في كف كتابه
فعند آخر حرف منه جاشت قريحة صاحبي بأعذب القريض الذي طفق يتحدر من وجدانه مثلما يسيل رضابه على لسانه، وانتظمت عقود جمانة في سمط أوزانه، فلله دره حين يقول ملحقاً فروع اللفظ بالأصول في منظومته المسماة: »ياقوتة اليواقيت«
شممت عرف الشذا من مسك روضته
وشمت بدر الهدى من حسن طلعته
ها قد أتى وظلام الليل معتكر
يرنو إلى الفجر من أطمار سدفته
راقت بشائره الأرواح فابتهجت
بمقدم السعد ميمون زروته
راض النفوس فجاءت وهي طائعة
لربها جل في سلطان عزته
مذ هل طالعه حل السرور بنا
والناس قد خرجوا شوقاً لرؤيته
ضيف كريم ضحوك السن منبلج
يهدي إلى الرشد من لألاء غرته