استمدت حليمة سعيد من الصبر والمثابرة والعطاء المستمر للآن منهجا لها ولكل من حولها، فقد احترفت الحياكة والتطريز لتصبح أول خياطة في منطقة دفتا والمناطق القريبة منها، ونتيجة للرغبة الشديدة في تعلم المهنة تمكنت أم محمد من أن تكتسبها عن والدتها التي كانت تحيك الملابس كعادة النساء قديما.

وكانت حليمة سعيد أول من اشترى ماكينة خياطة في المنطقة لتتقن العمل بها بعد شهر فقط من التدريب، حيث أجادت صناعة الدشاديش والكنادير والقحافي والشراشف، ومن ثم أصبحت تطرز للناس ملابسهم مقابل أجور نقدية أو عينية بسيطة في الزمن الماضي. وتقول أم محمد إنه منذ 60 سنة تقريبا كانت الأقمشة محدودة وكذلك الموديلات التي تأتي من البحرين والقطيف والهند، ولكن بعد ذلك شهدت هذه المهنة تغيرات كثيرة وانفتاحا كبيرا، خصوصا بعد ظهور البترول وقيام دولة الاتحاد، حين راح التجار يستوردون الأقمشة الجديدة من عدد كبير من الدول وصارت تدخل موديلات جديدة لم تكن معروفة من قبل. مما جعل الناس تقبل عليها وتفضلها على التفصيل التقليدي الذي تراجع الإقبال عليه نتيجة استيراد الملابس الجاهزة من الهند وتركيا ودول جنوب شرق آسيا بأسعار منخفضة نسبيا مقارنة بسعر القماش وأجرة تفصيله، بالإضافة إلى وجود الكثير من محلات الخياطة التي بدأت تحيك وتفصل الأقمشة بتصاميم غريبة وخطوط حديثة مختلفة عما كانت تحيكه من ألوان وخطوط تقليدية بسيطة لتحقق مبيعات عالية.

وتشرح أم محمد بأن «التفصيل حرفة من أقدم الحرف وأعرقها، ولم تكن هناك امرأة لا تجيد الخياطة والتطريز، لذا كانت كل الثياب تتشابه في تفصيلاتها وتشكيلاتها، وتأخذ القياسات اعتمادا على الشبر، وهو الفسحة بين الإبهام والخنصر من أصابع الكف عند انبساطها، ومن ثم تخاط باليد باستعمال الإبرة والخيط حيث لم تكن آلة الخياطة متوفرة كما هي اليوم، وكانت فترة الأعياد وفصل الصيف تشكل ذروة العمل حيث تتضاعف الأسعار وسط إقبال كبير من طرف الزبائن». موضحة أن «آلة الخياطة ومنتجاتها صارت مهنة التراث تعرض في المناسبات والنشاطات الثقافية المهتمة بتاريخ وتراث المنطقة قديما»، ولافتة إلى أن «العصر الحاضر فرض معه الكثير من الكتب التي تتناول فن الخياطة والتفصيل وعالم الأزياء وتعليم طرق الخياطة المفترض إتباعها لتنفيذ أجمل التصاميم والملابس، فضلا عن توفر أجود آلات الخياطة وأحدثها».

إلا أن حليمة سعيد تؤكد في الوقت ذاته على جودة التفصيل اليدوي وقربه من قلب القائم بالحياكة من خلال الحصول على الجودة في القماش والخياطة وهو ما يوفره التفصيل ولا يوفره الجاهز، وتشير أخيرا إلى أن زبائنها كانوا يتدرجون في المستويات الاجتماعية والفئات العمرية من الإناث والذكور، حيث ساهمت ماكينة الخياطة في بناء أسرتها ماديا ومعنويا وبناء شخصية اجتماعية معروفة لها، ما ساعدها على احتراف مجالات أخرى كالختان والحجامة والترفيع والتوليد والتوسيم والمداوة الشعبية.

الفجيرة ـ ناهد مبارك