التطبيق العملي لتعاليم الإسلام لم يكن موجهاً إلى فرد واحد، أو لمجموعة من الأفراد، إنما هو عام لجماعة المسلمين على اختلاف درجاتهم، من حيث الغنى والفقر أو الصحة والمرض وغيرها من الفوارق بين أفراد المجتمع وطبقاته، فكان أهل مكة في درجات شديدة التفاوت، كما كان منهم من لديه الرجال والشباب، وهم ثروة للقبيلة آنذاك، أما الضعاف الذين وقعوا في ظل الرق، فكانوا يسعون لتحرير أنفسهم بقدر ما يستطيعون، خاصة الإماء والجواري مع أنهن كن يمثلن وجاهة اجتماعية، وهكذا زادت الهوة السحيقة بين المكونات الاجتماعية.
هذا ما يؤكد عليه د. السيد محمد الديب في كتابه «الثروة في الإسلام» الصادر حديثاً ضمن سلسلة دراسات إسلامية عن المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بوزارة الأوقاف المصرية. ويرى د. السيد الديب في مقدمة الكتاب أنه في ظلال الدعوة الإسلامية، كان الفقراء والضعفاء سباقين إلى اعتناق الإسلام، فليس لديهم ما يملكون مثل الأغنياء، ثم إن نشاطاتهم كانت منحصرة في خدمة أسيادهم، ومعظم ما يحصلون عليه من كسب لن يملكونه ويتحكمون في مصيرهم، وواصل هؤلاء الضعفاء إقبالهم على الإسلام الذي رأوا فيه تحقيقاً للخلاص من معاناتهم وهمومهم المتواصلة، ذلك أن هذا التوجه لم يكن مرضياً للأغنياء والأسياد من نواح كثيرة، أهمها التمرد على أنظمة العبادة المتوارثة واختيار لون جديد من السلوك، الذي يدعو له ويرعاه واحد من قريش هو محمد بن عبد الله.
ويذكر أن هذه التركيبة انعكست بدورها على حركة المال في المجتمع المكي، فبدأ الخطاب الديني لإشعار أهمية تداوله واستثماره وفق النظام الذي استكملت شتي جوانبه في المدينة من حيث أهمية التعامل به في التجارة وكل جوانب الكسب، وأن يكون ذلك خاضعاً للرحمة، وعدم الاستغلال مع أهمية الانتاج في الزراعة، والتجارة والصناعة، ومقاطعة الربا بكافة أشكاله.
يأتي الكتاب في 120 صفحة من القطع الصغير قسمه المؤلف إلى أربعة فصول، ففي الفصل الأول من الكتاب يناقش حتمية العمل في الإسلام، مؤكداً أن الإسلام جاء لينتقل بالإنسان من الجهل والضلال إلى النور والإيمان، وليرفع عن كاهله بعضاً من هموم الحياة، حتى يعيش في روحانية الدين، ومبادئه السمحة، ودعوته السامية.
ومن ثم لا شك في أن الحياة المعاصرة قد شهدت العديد من المتغيرات السياسية، فذهبت المذاهب الفكرية والمنظومات الاقتصادية التي تدعو لاتجاهات معينة مثل الرأسمالية الغربية، التي تطلق العنان للفرد في جمع المال مادام يدفع الضرائب، وعرفت بعض البلدان النظام الاشتراكي الذي ارتدى ثوب الشيوعية أحياناً، ويعين على قطاعات كبيرة من منابع الثروة.
مما يقلل من طموحات الكثيرين في الملكية الخاصة، وانضوى تحت ألوية هذين النظامية كثير من الأمم والشعوب، غير أن المذهب الشرعي قد أسفر عن غش واضح جعل رواده ومعتنقيه يمدون أيديهم للآخرين طلباً للهبات والمنح والقروض، وهو نوع من الإذلال المخزي للإنسان فرداً وجماعة.
منهاج التقدم
ويرى أن الإسلام وضع منهاجاً قوياً لمواجهة مشكلات الإنسان التي تعوق رقيه، وتمنع تقدمه ولكن الكثيرين يغفلون عن مصداقية المنهج الإسلامي ولا يستوعبون معالم الخطاب الديني أو يتمسحون به ولا يعلمون ما جاء فيه، وقد تحدث القرآن الكريم والسنة النبوية عن العمل لما له من أهمية في استقامة الفرد والجماعة، ويقول تعالى: «فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون» ويقول أيضاً: «الرزق واجب وحق وشرف للإنسان، شريطة أن يكون صالحاً، والعمل الصالح هو العمل المنتج الذي تعود فائدته على الفرد والمجتمع.
ويوضح د. السيد في كتابه أنه لابد أن يتحاشى القادر على العمل الكسل والتسول وادعاء العجز، لأنه من المؤسف أن أعداداً كثيرة من الناس تحتال وتدعي المرض حتى تتهرب من مسؤوليتها ورسالتها في الأعمال المنوطة بها، وهم بذلك يحتلون خطراً داهماً وشراً مستطيراً، لأنهم قد أذلوا أنفسهم وأراقوا ماء وجدهم، وأضاعوا كرامتهم، وخدعوا الناس، بزخارف أقوالهم وكذب أشكالهم وحركاتهم، مشيراً إلى أن من أخطر السلوك ألا يكون الشخص أميناً في العمل الذي ينهض به، لقول الرسول: إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه. ويشدد علي أن الإسلام في دعوته إلى العمل يؤكد أنه على الإنسان القادر أن يعمل على قدر طاقته.
وليس على قدر حاجته، لأنه إذا عمل علي قدر حاجته فمن سوف يعينه ويعني له إذا وصل إلى مرحلة يعجز فيها عن الكسب، لكبر سن أو لمرض أو لعدم وجود ما يمكن أن يكتسب منه ؟ مستشهداً في ذلك بقول الأديب الأيرلندي الشهير «برناردشو»: «لا يكون الإنسان فاضلاً إلا إذا أعطى مجتمعه أكثر مما أخذ منه»، وكذلك بإهداء عميد الأدب العربي الذي تعود علي كتابته بعدد كبير من كتبه، وهو «إلى الذين لا يعلمون ويضايقهم أن يعمل الناس».
ويحدد د. السيد في كتابه وسائل الإنتاج الاقتصادي بالزراعة، والصناعة، والتجارة، حيث أعطى القرآن الكريم والحديث الشريف أهمية كبيرة للأرض، التي هي مصدر الإنتاج الزراعي، لأنها تستقبل الأمطار، ويخرج النبات، ويتكون منها الثمار والزروع التي يحيا بها الإنسان والحيوان والطير، فقال تعالى: «وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وانبتت من كل زوج بهيج»، وفي ذلك يقرر الله تعالى كيف تنبت الأرض من الخيرات ما تساعد الإنسان والحيوان على الحياة.
ومن ثم فالزراعة هي أساس الكسب والإنتاج، بل للمؤمن ثواباً عظيماً بفضل جهده وزراعة التي يعود بقوله علي الإنسان والدواب والطيور، لقوله صلى الله عليه وسلم «ما من مسلم يزرع زرعاً أو يغرس غرساً فيأكل منه طير أو أنساب أو بهيمة إلا كان له صدقة». وفي سبيل ذلك، عرض القرآن الكريم لجميع متطلبات الزراعة من أرض وماء وتعمير ونبات وأعطي للماء أهمية خاصة لدوره، في كل مناي الحياة. وعن الصناعة يقول: هي تحويل المواد الخام إلى أدوات يستفيد الإنسان بها في حياته.
وهي لا تنحصر في أشياء محددة، بل تشمل كل ما يحتاج إليه البشر، خاصة ما كان في صالحهم دون إضرار بالآخرين، وقد عرض القرآن بعض المواد التي توجد في باطن الأرض، فقال تعالى: «لقد أرسنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب، إن الله قوي عزيز»، ومن ذلك لا شك في أن الدافع إلى الصناعة هو النفع البشري.
أما التجارة كوسيلة للإنتاج، فيؤكد مؤلف الكتاب أن المجتمع المكي كان مجتمعاً متاجراً بحكم تكوينات أرضه غير الصالحة للزراعة، وقد شارك الرسول صلى الله عليه وسلم في نشاط تلك البيئة في طفولته وصباه، وتحدث القرآن عن رحلة قريش إلى اليمن شتاء وإلى الشام صيفاً، ويلاحظ أن هذه السورة كلها مرتبطة بالسورة التي قبلها، وهي سورة الفيل، فالله قد أهلك أصحاب الفيل، ليتحقق ائتلاف قريش في رحلاتها التجارية، ثم إن الله أكرمهم بالإسلام فأطعمهم بعد جوع، وأمنهم من أي خوف ينشأ بالاعتداء عليهم استجابة لدعوة سيدنا إبراهيم.
زيادة الثروة ويشدد على أن الإسلام خص على زيادة الثروة، وتنمية المال بالطرق الشرعية، وجعل الناس خلفاء فيه، وحذر من اكتنازه وسوء استغلاله، ودعا إلى استثماره بالأمانة ومن ثم لابد أن يتصف التاجر بالسماحة فلا يتشدد في المعاملة، ولا يسيء للراغبين في البيع أو الشراء، ولا يقسو عليهم في الأداء والقضاء، فعن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رحم الله رجلاً سمحاً، إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى.
وفي الفصل الثاني تحدث د. السيد الديب عن دور الزكاة والصدقة في خدمة المجتمع الإسلامي، قائلاً: قامت العبادات على التنامي والتآلف والمودة والجمع بين القلوب، والتقريب بين كافة المستويات، وحض الإسلام على العمل وإتقانه، وتحصيل الرزق الطيب، وترك الكسل والتراخي والتسول.
وحذر من التعدي على أموال الناس وممتلكاتهم، وتحصيل الرزق الطيب، وترك الكسل والتراخي والتسول، وحذر من التعدي عل أموال الناس وممتلكاتهم، حفاظاً على واجبات الاخوة الإسلامية التي تتجلى في الزكاة المفروضة والمحددة بالشروط والمقادير، والصدقة التي يجود بها الغني إلى وحدة البر عن سماحة وكرم وطيب نفس.
ويواصل: الزكاة مظهر من مظاهر التعاطف والتكافل وعامل من عوامل التضامن والإخاء ووسيلة إيجابية، لمواجهة الفقر ومشكلاته الخطيرة التي تنعكس على الأفراد والمجتمعات وسائر الأمم المتقاربة والمتباعدة، فإذا نشطت عزيمة المؤمن في السعي وبذل الطاقة، يكتسب من أثره وحصن نفسه وأسرته بالمال الحلال، الذي يعيش به ويفيض عن حاجته، فلابد من إخراج الزكاة المقررة تقرباً إلى الله وتنمية للمال وصوناً لحقوق الفقراء والمساكين وغيرهم من مستحقي الزكاة.
ومن ثم فهذا الركن الإسلامي ليس تفضلاً من الغني على الفقير بل حقا لا يتعارض مع ما تقوم به الدول من جهود لمعاونة المحتاجين لأنها مهما فعلت سيبقى من يحتاج إلى العون والمساعدة. ويشير إلى أن هذا العون لا يكون بالزكاة فقط بل تأتي أيضاً الصدقات الأخرى وهي اختيارية غير محددة في الظروف العادية، التي تتحرك فيها مشاعر القادرين لإسعاف المحتاجين، والإسهام في مشروعات الخير التي تعود بالنفع على المجتمع، فالتكافل الاجتماعي يكون بالزكاة والصدقة والأمان.
والتعاطف ومواساة الفقراء والتعاون على البر والتقوى. ويذكر أنه من الخطورة بمكان أن يقع الإنسان فريسة الرغبة في جمع المال، وينسى حقوق الفقراء والمساكين، لأنه في هذه الحالة سوف تبقى الزكاة دينا في رقبة كل من يملك نصابها حتى يدفعها لمستحقيها، فهي فريضة إسلامية لا تتوقف مع الزمن، ولا تلغيها المتغيرات الاجتماعية.
وهي ركن مالي من أركان البناء الاجتماعي، لا يخفى دورها في تنمية علاقات الحب والمودة بين طوائف المجتمع، وقد توعد الله من يبخل بثروته ويقصر في دفع زكاته بعذاب عظيم يوم القيامة. ويوضح د. السيد أن الضرائب أياً كان نوعها لا تغني عن الزكاة، فهما مختلفان في أمور كثيرة، حيث قال الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر رحمه الله: إذا كانت الزكاة من وضع الله، وكانت فرضاً إيمانياً يجب إخراجها.
وجدت حاجة إليها أم لم توجد، وتكون في تلك الحالة بمثابة مورد دائم للفقراء والمساكين، الذين لا تخلو منهم أمة أو شعب، وكانت الضرائب من وضع الحاكم عند الحاجة فكان من البين، ان إحداهما لا تغني عن الأخرى، فهما حقان مختلفان في مصدر التشريع، وفي الغاية، وفي المقدار، وفي الاستقرار والدوام، وعليه فيجب إخراج الضرائب وكذلك الزكاة. تحت عنوان «أكل أموال الناس بالباطل» جاء الفصل الثالث من الكتاب، ليكون بمثابة محاولة من قبل د. السيد الديب للوقوف على أسباب هذه الظاهرة ومحاولة رصد نتائجها.
حيث يستشهد بقوله تعالى: «ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم لا تعلمون» فالنهي عن أكل أموال الناس بالباطل يشمل أمورا كثيرة، مثل الربا والسرقة والغصب وإنكار حق الآخرين والقمار، وكل ما نتج عن ذلك من الخداع والغش في الكيل والميزان، وكل شيء معروض للبيع والمتاجرة في المحرمات، وما نتج عن التزوير والتدليس حتى لو صدر به حكم قضائي، لأن ذلك لا يغير أصل الحقيقة، وكذلك كل ما تحقق نتيجة لأكل حقوق الضعفاء من الورثة واليتامى وسائر الضعفاء.
تحري الحلال
ويوصي المؤلف بضرورة أن يتحرى كل مسلم الدقة في ماله الذي يتعامل به هو وأسرته وأن تكون نفقاته من حلال، لقوله تعالى: «يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات»، وقد ذكر الله تعالى كثيرا من المباحات ونهى عن المحرمات في بيان واضح وتشريع حكيم، فذكر إباحة الأكل والشرب، وأخذ الزينة وسائر الطيبات ونهى عن الإسراف في الأمور كلها، وحرم كل ما يلحق ضرراً مادياً أو معنوياً بالآخرين.
وكذلك تأتي الأحاديث النبوية لتوضيح المحرم والمباح، ولتحض المؤمنين على التصدق بأفضل ما يملكون حتى يستجيب الله لدعائهم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المسلمين».
ويخلص إلى أنه لابد من أن تكون المكاسب المادية من حلال، وليست من نتاج الاستغلال القبيح للآخرين، فإن من يقوم بأية صورة من الصور على ما ليس له، فإنه لن ينعم بالاستقرار والهدوء والنفسي، ولن يشعر بالطمأنينة وراحة الضمير فكم من أناس يعيشون في الحياة في نكد، وهم وقلق، واضطراب.
أما الفصل الرابع من الكتاب، فتخصص المؤلف للوقوف على الحكم الشرعي في معاملات البنوك وصندوق التوفير، حيث يشير إلى أن العلماء الآن يرون أن كثيراً من المعاملات البنوك ومكاتب الصرافة وصناديق التوفير حلال ولا حرمة فيها مثل الحسابات الجارية وصرف الشيكات وخطابات الاعتماد والكمبيالات الداخلية وشهادات الاستثمار «ج» ذات الجوائز وتغيير العملات .
وما شابه ذلك، وأن أخذ البنك مقابلاً عن هذا العمل جائز أيضاً ولا شيء فيه، موضحاً أنه يدخل في المباحات نظام المشاركة والمضاربة شريطة الاتفاق عدم إلحاق ضرر من فريق لآخر، وأن القرض من البنك بدون تحديد فائدة مقدماً حلال ويدخل في نظام المضاربة. أما العائد الذي يحدده البنك مقدماً للأموال المودعة وفق مؤلف الكتاب اختلف حولها العلماء.
حيث أفتى الشيخ محمود شلتوت ـــ رحمه الله ـــ بجواز أخذ الفائدة المحددة من صندوق التوفير، لأن المال المودع ليس دينا من صاحبه على الصندوق ولم يقترض الصندوق منه، وإنما إيداع المال يعود النفس على الاقتصاد، وعن عوائد البنوك قال الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر رحمه الله إن الأخذ من البنك بفوائد محددة يدخل في باب الربا، الذي حرمه الله، أما الاستثمار بالبنك في مشروعات صناعية أو غيرها، ويصرف العائد علي حملة الدفاتر بدون تحديد نسبة مسبقاً فهو حائر، وكذلك من الربا المحرم شهادات الاستثمار بفائدة محددة مقدماً.
والرأي الثالث في هذا السياق، هو رأي الإمام الأكبر د. محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر وأنه يرى أن معاملات البنوك منها الجائز اتفاقاً ومنها غير الجائز، وهذه هي التي تبين على غش وتدليس واستغلال، وأجاز الفائدة المحددة مقدماً من البنك، ذلك لأن التحديد فيه حماية لصاحب المال، حتى لا يقع في اختلاف فيما بعد.

