عندما يقف المرء على أي مرتفع من مرتفعات جبل قاسيون الذي يحتضن العاصمة السورية يظهر له المسجد الأموي، الذي يتوسط المدينة القديمة، حتى يبدو للناظر وكأنه طائر ضخم يفرد جناحه على الأحياء المحيطة به، وتقول كتب التاريخ إن دمشق أقدم مدينة في العالم، فعظمتها قامت مع وجود أول إمبراطورية عربية في الإسلام، عندما أصبحت عاصمة بني أمية، لتنطلق الجيوش منها تتابع الفتح العظيم، الذي كاد يتوغل في أوروبا، وفي دمشق أنشئ الجامع الأموي أول عمارة عربية كاملة أنشأها الوليد بن عبد الملك عام 517 ميلادية.
قام الخليفة الوليد بن عبد الملك الأموي بجهد معماري كبير في بناء المساجد وتجديدها في كل بلاد الشام الإسلامي خلال فترة حكمه (68 - 69 هـ) فقد كان يعد من أعظم رعاة الفن الإسلامي وترك اسمه مخلداً على العمائر وفي نصوص المؤرخين والرسالة في العالم الإسلامي في دمشق ومصر واليمن وغيرها ولم يبخل بمال أو عتاد لتعمير المساجد وتجديدها.كان المسجد الجامع في دمشق والذي عرف بالجامع الأموي على أحسن ما يكون من إتقان في العمارة والزخرفة حيث أمر الخليفة الوليد بن عبد الملك ببنائـه فـي دمشـق عاصمـة الخلافـة الأمـوية حيث يذكر عنه الرحالة ابن جبير قوله «هو من أشهر جوامع الإسلام حسناً، وإتقان بناء، وغرابة صنعة وتزيناً وشهرته المتعارفة في ذلك تغني عن استغراق الوصف فيه».
نموذج فريد
وقد ورد أن الذي خط هذا الجامع كان أبو عبيدة بن الجراح وقد أمر الوليد ببنائه عام 78 هـ، وجمع الوليد بن عبد الملك لهذا الجامع الصناع والمهندسين والفنانين من شتى بلاد العالم.وقد يكون هذا الجامع من الوجهة الأثرية قد دل على نظرية توارث المكان وأهميته حيث كان يشغل جزءاً من المساحة التي أقيم عليها معبد وثني، ثم كنيسة عوض الوليد المسيحيين بمال كثير ارتضوا به.
كان من أركان المعبد الوثني بقايا أبراج قديمة استغلها المعماريون كقواعد لمآذن الجامع حتى الإنشاء، وفي ذلك يذكر المؤرخ المسعودي «وبعدها أتت المسيحية وأصبح كنيسة وبعدها أتي الإسلام فأصبحت مسجداً بناه الوليد بن عبد الملك بمكانه والصوامع «أبراج» الأربعة لم تبدل وتستخدم للآذان.
ويذكر كريزول عالم الآثار الإسلامية أنه من بين هذه الأبراج الأربعة لم يبق سليماً حتى اليوم سوى البرج الشمالي الغربي الذي تعلوه مئذنة بناها السلطان قايتباي في عام1488م أما الأبراج الأخرى، فقد اختفت وشيدت في مواقعها مآذن على ما يبدو في عام 1340م وفي الجهة الشمالية مئذنة ثالثة يعود تاريخها إلى القرن 12 م ولكن هناك مئذنة في ذلك الوقت شيدت قبل عام 589 م لأن المسعودي يذكرها.
هذا وتبلغ مقاييس هذا المسجد الكبير160م طولاً - 100 م عرضاً أما عن تخطيط هذا الجامع فهو على هيئة صحن مكشوف مستطيل الشكل تحيطه أربعة أروقة أعمقها رواق القبلة يتكون من ثلاث بلاطات تغطيها جمالونات يقطعها مجاز عمودي على محراب القبلة يتميز باتساعه وارتفاع سقفه ويغطي الجزء الأوسط المجاور فيه تعرف بقبة النسر وتتميز عقود المسجد بتكوينها من صفين.
ثلاثة مداخل
وللمسجد ثلاثة مداخل محورية، كما كان مفروشاً بالرخام، ولعلهم أهم ما يتميز به الجامع الأموي بدمشق في مجال الزخرفة بقاء زخرفته الفسيفساء والمعروفة باسم مصورة نهر بردكي والتي كشف عن جزء كبير منها العالم الفرنسي دي لوري عام 1927م ذات موضوعات زخرفية مختلفة على هيئة مناظر طبيعية في داخل الجامع وعلى مقربة من مدخله الرئيسي بارتفاع حوالي 7 م وتمتد هذه الزخرفة على نهر يشبه في تفاصيله نهر بردى الذي يخترق مدينة دمشق.
إذ يمتد النهر أسفل المصورة من اليسار إلى اليمين، ويظهر في أعلى الجانب الأيسر قصور وعمائر ومنازل وميادين وقناطر وجواسق وأشجار بألوان مختلفة، وتعد هذه المصورة ذات أهمية كبيرة في التعرف على عمائر مدينة دمشق في العصر الأموي، كما تظهر فيها التأثيرات الفنية المختلفة والتي تركت تأثيرها في بدايات الفن الإسلامي كالتأثير الساساني والبيزنطي وغيرهما، وقد تم تجديد الفسيفساء في الجامع الأموي بدمشق في عصر السلطان السلجوقي ملكشاة عام 475هـ.
ويؤكد المؤرخون وخبراء فن العمارة أن الجامع الأموي بدمشق يحمل الكثير من العناصر المعمارية والزخرفية المهمة في تاريخ العمارة الإسلامية في العصر الأموي في تخطيطه وأروقته وقبابه وعقوده ومداخله فضلاً عن الآراء العلمية المختلفة التي دارت حول نشأة المآذن في تاريخ العمارة الإسلامية في العالم الإسلامي.

