أعظم نعمة أفاءها الله سبحانه على الإنسان هي نعمة العقل.. وأعظم وظيفة يؤديها عقل الإنسان هي التفكير وأخطر عملية تؤديها هذه الوظيفة هي الابتكار وفيها يسعد المخلوق بلذة الكشف.. وجمال التعرّف وروعة التجديد. لهذا استخلف الله الإنسان في الأرض..
وعهد إليه بواجب القوامة على ما تحفل به من موارد وثروات وإمكانات. صحيح أن هذا المخلوق البشري قد يخطئ. ولكنه أيضا قد يصيب. وصحيح أن يدعو الإنسان أحيانا بالخير بقدر ما يدعو في أحيان أخرى بالشر.. لكنه في كل حال موكّل بمسؤولية عمران الكون وصون آلائه والتحدث بما يحفل به من نعمة سابغة أفاءها فاطر الأرض والسماوات على سائر المخلوقات التي تدب فوق أديم الأرض من بشر ومن حيوان ومن نبات ومما نعلمه وما لا يعلمه سوى فالق الحب والنوى سبحانه وتعالى.
الجرار (التراكتور) بديهي أن ينسى الزمن القديم تسجيل تلك اللحظة النادرة التي قدح فيها الإنسان حجرا اصطكّ بحجر آخر فإذا بالشرر ينبعث وإذ بلهب يندلع من كومة نجيل جاف مجاورة. وإذا بواحد من فصيلة الجد الأعلى للبشرية يصطلي بهذا المورد الخطير من قسوة الشتاء وإذا بالنار تزود فجر المعايش الإنسانية بقبس لإنضاج الطعام أو يجدون على النار هدى يخترقون على ضوئها مسالك الشعاب ودروب الطريق.
وهكذا اكتشف الإنسان النار. لا عجب أن عمد الإغريق إلى تخليد ذكرى بطلهم القديم برومثيوس الذي يصفونه بأنه سارق النار على نحو ما تحكيه أساطيرهم القديمة حيث كانت نار الإغريق من أسرار رموزهم المعبودة ومن تجليات سلطانها على حياة الناس.
ولا عجب أن ينظر العرب منذ جاهليتهم إلى النار بعين التقدير والاهتمام حتى أن ترثي الخنساء أخاها صخرا فتقارنه بالجبل يشعلون فوق قمته قبسا من نار هداية للحيارى والمسافرين واستجلابا للضيفان من سالكي بوادي الصحراء كي يرشدوهم إلى حيث تكرم وفادتهم ويستريحون من وعثاء الترحال.. هنالك تقول الشاعرة عن أخيها الراحل: كأنه عَلم في رأسه نار..
أما الحدث العبقري الثاني فهو ببساطة اكتشاف الزراعة. ومن علماء تاريخ الحضارات القديمة ما ينسب هذا الكشف إلى امرأة نسي التاريخ ذكرها وسيرتها ولكنه لم ينس أن يسجل الانعطافة الفارقة التي لاحظت فيها نمو حبات من نبات كانت السيدة المجهولة قد طرحتها فوق أديم الثرى..
فإذا بالحبة وقد استوت ونضجت وأنتجت عشرات مثلها.. امتدت إليها يد المرأة واستخدمت بعضها ثم عاودت إلقاء البعض الآخر فوق التربة انتظارا للمزيد. ورغم نزول كتاب العربية الأكبر في بيئة صحراوية بجزيرة العرب، إلا أن الكتاب الكريم يحتفل في مواضع شتى بصور النبات والحَبَّ والمحصول والحصاد.. ويشيد بالزرع عندما يستوي على سوقه وتورق غصونه وبراعمه يعجب الزراع.
لا عجب أيضاً أن تكون المجتمعات الزراعية في وديان الأنهار الكبرى مهدا للحضارات الباكرة في تاريخ الإنسانية.. ما بين وادي النيل إلى وادي دجلة والفرات إلى أودية أنهار الصين.. وكلها تميزت بأهم شيمة من الشيم البنّاءة التي تصنع الحضارة وهي.. العمل.. وإذا كان الحبة ـــ النبتة ـــ التقاوي ـــ البذرة تنمو وتورق من بطن التربة بإذن ربها، إلا أن الله سبحانه جعل لكل شيء سببا..
وهذا السبب في مجال الزراعة هو الجهد الإنساني الذي بدأ بسيطا وبدنيا وفرديا حين كان الإنسان يحفر بيديه كي يودع الثرى بعضا من حبوب.. إلى أن تطورت الأحوال واتسعت العائلات وزاد أفراد المجتمعات وأصبح من المتعّين أن يبذل الإنسان جهدا أكثر تواصلا وأشد دأبا وأعمق احترافا.. وكأن المسألة بدأت بعملية الاستنبات وتحولت إلى عملية اسمها الاستزراع.. ومنها تحولت إلى عملية أخرى اسمها فلاحة الأرض وخدمة المزروعات.
وكان طبيعيا أن يستعين الإنسان في فلاحة الأرض بأخيه.. الحيوان.. حيثما اقتضت الأمور تقليب التربة لتهويتها بحراثتها ومن ثم تسوية الأرض المحروثة وتمهيدها وإلقاء البذور على نطاق مساحات أصبحت شاسعة وأحيانا مترامية الأطراف.. ثم جمع المحصول وتجفيفه تمهيدا لتكسير سيقانه وأغصانه في عملية توصف بأنها «الدراس» وخاصة في حالة محاصيل الحبوب.. الخ.
ومع تطوير مهنة الزراعة إلى مزيد من التعقيد.. بدأ الإنسان يتطلع إلى استخدام طاقة أكثر قدرة وأشد كفاءة وأدق مهارة يستعين بها لأداء كل هذه العمليات الزراعية من أجل تعظيم جدوى المحاصيل التي يزرعها ويرجو من ورائها فوائد تكافئه على ما بذل من مجهود فيما يفيد الأمر أيضاً في مزيد من الراحة للإنسان والحيوان على السواء.
في هذا الإطار بالذات ولدت وتطورت فكرة التراكتور ـــ الجرار الزراعي كما تسميه مجامع لغتنا العربية بمعنى ماكينة تستخدم في الزراعة من حراثة وتسوية ودراس وما إليها ولها موتور يحركها ويؤدي إلى تسييرها.. وكان من الطبيعي أن يبدأ مخترعو الجرار باستخدام طاقة البخار التي كانت قد اكتشفت وبدأت تروج وتنتشر مع أوائل القرن 19 وأثبتت جدواها عندما سارت بها أول قطارات سكة حديد في التاريخ. وهكذا سلمت تكنولوجيا القطار إلى أول جرار ـــ تراكتور يسير بطاقة البخار وكان ذلك في عام 1868.
وأن بدأ استخدام هذه الآلة في مجال حمل الأخشاب من الأدغال والغابات إلى أن جاء عام 1889 فإذا بالمخترعين الأميركان وقد تحولوا إلى تسيير الجرارات المستحدثة لديهم باستخدام البترول وكان ذلك في عام 1889. ولما كان القوم مترددين في إمكانية استخدام الجرار في العمليات الزراعية فقد «غامر» المزارع الأميركي جون فرولتش في عام 1892 باستخدام الجرار في عمليات الدراس التي أجراها لمحاصيل الذرة والقمح الخاصة به في مزرعته الشاسعة بولاية ساوث داكوتا.
وبلغ نجاح هذه المغامرة الحد الذي جعل المؤرخين يقولون أن جرار هذا الفلاح الأميركي يمكن أن يعد أبا لأجيال جاءت من بعده ويحددون بالذات النموذج الذي أبدعه رجل الصناعة الأميركي الشهير هنري فورد وتم استخدامه عام 1910 في معظم ـــ إن لم يكن ـــ جميع عمليات فلاحة الأرض الزراعية لدرجة أن نموذج فورد أطلقوا عليه اسم «الأوتوموبيل الحراث» بمعنى المحراث الذاتي الحركة.
اشتقوا كلمة تراكتور من فعل «تراهيري» في اللغة اللاتينية الذي يفيد معنى الشد والجذب.. وكان القصد هو اصطناع آلة تدور بمحرك الاحتراق الداخلي ويمكنها أن تسحب ـــ تجر ـــ ما يريد المزارع استخدامه من آلات وأدوات زراعية لأزمة لحراثة الأرض أو تقليبها أو تمشيطها أو تجفيفها أو تسويتها قبل نشر البذور على مسطحاتها..
وعندما يتسنى إدارة هذه الأدوات بموتور صغير أصبح من وظائف الجرار أن يكون بمثابة مستودع طاقة متنقل خلال العملية الزراعية لإمداد هذه الأدوات التي يسحبها من خلفه بقدرة الدوران والتشغيل والاستمرار.وما إن انتهى الثلث الأول من القرن العشرين حتى كان اختراع الجرار المدار بالبترول قد انتشر في كل أنحاء أوروبا وأميركا..
وبعدها انصرف المخترعون إلى إبداع أشكال ونماذج وأوزان ونوعيات من هذه التراكتورات تتراوح قوتها ما بين 575 حصانا إلى 18 حصانا فقط وربما أقل.. أي بين أنواع الجرارات المستخدمة في الصناعات الثقيلة وفي الزراعات الشاسعة وطبعا في الصناعات الزراعية ذات الإنتاج الاقتصادي، وبين النوع الأبسط والأرق وربما الأجمل شكلا الذي يستخدمه أصحاب البيوت لتسوية وتشذيب مداخل داراتهم المكسوة بحشائش رقيقة وأزهار وشجيرات أشد رقة ورهافة.
حفظ الغذاء بالتجميد السريع
الاسكيمو شعب طيب (غلبان) هيأه خالقه عز وجل لكي يعيش في بيئة ثلجية متجمدة في معظم فترات السنة في شمالي الكرة الأرضية. هذا الشعب الطيب شبه المنسي له على حضارتنا المعاصرة وأساليب معيشتنا الراهنة فضل لا ينكر. لقد عاش بين ظهرانيه شاب أميركي على مدار خمس سنوات بين عامي 1912 و1917. كان اسمه «كلارنس بيردز آي» وكان عمره وقت أن عايش هذه البيئة الثلجية نحوا من 26 سنة. أما السبب فهو أنه اختار أن يعمل في تجارة الفراء التي تجلب أصولها من فراء وجلود حيوانات تلك المناطق القارسة البرودة.
كان طبيعيا أن يرصد الشاب طريقة الاسكيمو في التغلب على قسوة البرودة وصعوبة المعايش. لاحظ أنهم يصطادون الأسماك ثم يتعمدون تركها على سطوح الجليد السائد في المكان. وفي فصل الشتاء تهب الريح الثلجية فإذا بالأسماك تتجمد على الفور.. وكانت تمر أسابيع بل وشهور ثم يعاود الاسكيمو تناول أسماكهم تلك السريعة التجمد..
وعندما كانوا يدعونه لمشاركة طعامهم.. كان صاحبنا يلاحظ أن الأسماك تظل محتفظة بمذاقها إن لم تكن أفضل بصورة أو بأخرى.. وعندما بدأ يفكر في الأمر استعان بدراساته في علم البيولوجيا.. اتضح أن التجمد السريع لا يتيح سوى تشكيل بلورات صغيرة من الثلج ومن ثم فجدران خلايا السمك لا يلحقها الضرر، أو الفساد، وبمعنى أن الطعام المجمد بعد أن تذوب عنه الثلوج التجميد يظل محتفظا بمذاقه وأنسجته ولونه بغير تغيير.
الطعام بالنسبة لصاحبنا كان يعني الأسماك التي ظل شغوفا بها حين عاد إلى موطنه في ولاية ماساتشوستس ونال براءة اختراع في 18 يونيه عام 1927 طرح فيه فكرة التجميد السريع لأنواع الطعام بغية حفظه مع احتفاظه بسائر ما يتصف به من خواص. وجاء عنوان الاختراع كما يلي:
- إعداد المنتجات السمكية: التجميد سريعا وإذابة التجميد لاحقا.
وفي هذا الإطار كانت اقتراحاته بوضع الأطعمة المقصود حفظها بالتجميد السريع ضمن إطار معزول عن الهواء لأنه يساعد على نمو البكتريا الضارة بالغذاء.. وبالفعل صمم لهذه العملية آلة أطلق عليها اسم «حزام التجميد» وتتألف من نطاقين من المعدن تغطيهما طبقات الثلوج.. وتمر على سطحهما أصناف الأغذية في عبوات خاصة.
عاش المبتكر الأميركي قرابة 80 عاما.. رغم تجربته مع الاسكيمو وأفكاره المبتكرة التي دارت معظمها حول حفظ الأغذية والمأكولات.. إلا أنه ذاق مرارة الإفلاس والإملاق قبل أن تتصلح الأحوال وتبدأ منتوجاته المجمدة تلقى إقبالا من المستهلكين.. حاول مع شركائه أن يجربوا حفظ أنواع الفاكهة بالتجميد السريع ولكنهم لم يحرزوا نفس التوفيق الذي حققوه في مجال حفظ أصناف الخضراوات. وربما كوفئ كلارنس بيردز آي بأن أصبح اسمه ولا يزال مطابقا لعلامة تجارية في هذا المجال بعد أن عمد الإعلاميون إلى تجزئة مقطعي هذا الاسم الغريب ليصبح بيردز.. آي بمعنى عين الطائر.
محمد الخولي