يقول الله تعالى في كتابه الكريم: «ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير مما خلقنا تفضيلاً».. حول هذه الآية الكريمة يأتي كتاب ضوابط الفكر لمؤلفهد. محمد ربيع الجوهري عميد كلية أصول الدين بجامعة الأزهر، الصادر بالقاهرة عام 2006م، وذلك في 160 صفحة من القطع المتوسط.

يأتي الكتاب في ستة فصول قدم لها المؤلف بمقدمة قال فيها: ولعل من أهم ما كرم الله تعالى بني آدم، ومن أجل ما رزقهم أن وهبهم نعمة العقل، ومنحهم القدرة على التفكير، وحدد للعقل طاقته، ووظيفته، ومجاله، حيث وردت كلمة العقل في القرآن الكريم (49) مرة من بينها (13) مرة بصيغة «أفلا تعقلون» و(8) مرات بصيغة: «لعلكم تعقلون» ليكون ذلك دافعاً للإنسان ليستخدم عقله في هذا الوجود. ويضيف د. الجوهري: أما الذي يهمل عقله، فإن الله تعالى يقول: إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون«، ويقول: «ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون» ويقول: «وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير».. هكذا كان مصير الذين أهملوا عقولهم.

ويذكر مؤلف الكتاب أن مادة «الفكر» وردت في القرآن الكريم (18) مرة، دعي الإنسان من خلالها إلى التفكير في نفسه وفيما حوله، وأنه قد زود الله تعالى الإنسان بمبادئ عقلية فطره عليها لتضبط تفكيره، مثل مبدأ الذاتية، الذي يقرر أن للأشياء حقائق ثابتة لا تتغير ومبدأ (الفيرية) الذي يقرر استحالة سلب حقائق الأشياء عنها، مادامت متصفة بها، مبدأ «السببية» ومبدأ «عدم جواز التناقش».ولو كان الإنسان عقلاً فقط لسار تفكيره وفق هذه المبادئ العقلية، التي فطره الله تعالى عليها، ولما احتاج إلى علم المنطق، لكن الإنسان ليس عقلاً فقط، بل فيه قوى أخرى مختلفة، تلعب دورها في تفكيره، وهناك عوامل خارجية عنه تؤثر فيه. ويؤكد أن العواطف والانفعالات والأهواء والميول والعادات والتقاليد، والمصالح الشخصية كل هذه العوامل وغيرها تؤثر على الأحكام العقلية فتجعلها تنحرف عن الطريق السوي وتميل عن الصراط المستقيم.

علم المنطق

خصص د. محمد ربيع جوهري الفصل الأول من كتابه عن علم المنطق، حيث يعرفه على أنه العلم الذي يبحث في ضوابط الفكر البشري، فهو يدرس المعلومات التصويرية، والتصديقية، التي توصل إلى المجهول التصوري أو إلى المجهول التصديقي، أو التي يتوقف عليها ذلك الإيصال.

ومن ثم يقول الإمام أبو حامد الغزالي: «من لا يعرف المنطق لا يوثق بعلمه» وسماه معيار العلوم، إلا أن نظرة الباحثين في حكم دراسة هذا العلم فقد اختلفت، فمن العلماء من رأى تحريم دراسته كالإمام ابن الصلاح والإمام النووي، ولكن يقصدون المنطق المغلوط بمسائل الفلسفة المؤدية إلى الفكر المشكك في العقيدة.

أما المنطق الذي نعرضه على حسب كتاب ضوابط الفكر، فإنه يمكن الاستفادة به في تأييد مسائل العقيدة، ودفع الشبه عنه، ونأخذ برأي العلماء الذين قالوا: إن دراسته فرض كفاية على المسلمين، فلابد أن يلم بمسائله فريق من الباحثين يستطيعون عن طريق الدفاع عن الإسلام والرد على خصومه، وذلك واجب كفائي، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

ويرى مؤلف الكتاب أن الله تعالى خلق الإنسان، وجعله في الأرض خليفة، ومنحه نعمة العقل ليسخر به كل ما في هذا الكون له، وبدأ الإنسان يستخدم عقله، ويباشر وظيفته لكن الإنسان ليس عقلاً فقط، بل فيه قوى أخرى تتحكم فيه، بالإضافة إلى عوامل خارجية لها تأثيرها عليه.

وهي: العواطف والانفعالات والأهواء والميول والعادات والتقاليد والمصالح الشخصية، وكلها تؤثر على الأحكام العقلية، فتجعلها تنحرف عن الطريق السوي وتميل عن الصراط المستقيم، ولو حكم الإنسان عقله فقط، ما احتاج إلى إقامة علم المنطق، ومن هنا أدرك بعض المفكرين النابهين ضرورة لتدوين ضوابط الفكر ليعصم ذهن من يراعيه من الخطأ في التفكير.

«الألفاظ والمعاني»

علاقة منطقية معرفية مهمة للغاية يتناولها الكتاب في فصله الثاني، حيث يمكن الإنسان أن يدرك المعاني، وأن يبحث فيها عن طريق ما لديه من معلومات تصويرية أو تصديقية، ليصل إلى ما يجهله من تصورات وتصديقات دون احتياج إلى الألفاظ، أو توقف على اللغة، لكنه إذا أراد أن ينقل هذه المعلومات إلى غيره، أو يستفيد من غيره بعض المعلومات في عمليات التعليم والتعلم، ليحتاج في هذه الحالة إلى اللغة وإلى الألفاظ.

تراكيب اللفظ

ويشير د. الجوهري إلى أن اللفظ ينقسم باعتبار الأفراد والتركيب إلى مفرد ومركب، وأنه من الضروري تقديم تعريف المركب على تعريف المفرد، لأن تعريف المركب بالإيجاب، وتعريف المفرد بالسلب، ولا يعقل سلب أمر وإلا بعد تعقله، فاللفظ المركب الذي يدل على جزء معناه المقصود دلالة مقصورة.

وذلك مثل انتصر المسلمون، ومثل اتق الله، فهذه الأنواع من قبيل المركب، أما اللفظ المفرد هو ما لا يدل على جزء معناه المقصود دلالة مقصودة، ومن ثم تعريف اللفظ المفرد يشمل الألفاظ التي لا جزء لها كواو العطف والألفاظ التي لها جزء يدل على معنى غير مقصود مثل عبدالرحمن، فلفظ عبد له معنى، وكذلك لفظ الرحمن، والألفاظ التي لها جزء لكنها لا تدل، كالهمزة من «أحمد» والألفاظ التي لها جزء يدل على جزء معناها المقصود دلالة غير مقصودة كما إذا سمينا إنساناً «حيوان ناطق» فصار علماً عليه.

وفي الفصل الثالث في كتاب «ضوابط الفكر» يناقش المؤلف قضية التعريف، نظراً لما تمثله هذه القضية من أهمية بالغة في الفكر الإسلامي عامة، فالمتعارف عليه أن عملية التعليم والتعلم وتبادل الأفكار بين الناس على اللغة، ولكي يكون ذلك قويماً لابد أن تكون هذه الألفاظ المستعملة في هذه العملية محدودة المعنى معلومة المفهوم.

ومن ثم اهتم علماء المنطق بهذه القضية، والتعريف أو القول الشارح، لأنه المسؤول عن توصيل المعارف والمعلومات، فالتعريف ما يلزم من تصوره تصور العَّرف أو اختياره عن غيره، فهو شرح وبيان اللفظ الكلي بحيث يلزم من ذلك العلم بحقيقة الشيء المراد تعريفه أو تميزه عن جميع ما عداه.

ويحدد د. محمد ربيع الجوهري شروط التعريف بأن يكون جامعاً مانعاً بأن يجمع جميع أفراد الشيء المعَّرف ويمنع من دخول أفراد غيره فيه، وأن يكون التعريف أوضح من المعرف، لأن هدف التعريف التوصل إلى معرفة المجهول التصوري لدى السامع أو المخاطب.

وألا يشمل التعريف على أو التي للشك أو الإبهام، فإنه المقصود من التعريف توضيح المعرف للسامع، وتميزه عن غيره ولفظ «أو» التي للشك أو الإبهام لا تحقق هذا الغرض، بخلاف «أو» التي تأتي للتقسيم، فإنه يجوز الإتيان بها في التعريف بالرسم، كالتي ذكرت في بيان معنى التعريف في بداية هذا اللفظ، وأخيراً ألا يكون التعريف بلفظ السلب إن أمكن التعبير بالإيجاب حتى لا يؤدي التعريف إلى الدور المحال.

ويخصص المؤلف الفصل الرابع لتناول التقسيم المنطقي وماله من علاقة وطيدة بالتعريف، نظراً لأن المتعارف عليه أن التعريف شرح المعنى كله من الكليات الخمس، وهي الجنس والنوع والفصل والخاصة والعرض العام ببيان الصفات التي يشترك فيها الأفراد الذين يصدق عليهم هذا الكلي.

ومن ثم كانت الصلة بينه وبين التقسيم المنطقي الذي يعني بيان الماصدقات، التي يصدق عليها كل من الكليات، فالتعريف بيان لمعنى الكلي، والتقسيم بيان لماصدقاته الداخلة تحته معتمدين ـــ في ذلك على العقل والواقع، مشيراً إلى أن المقصود بالتقسيم هو ضم قيود متباينة أو متحالفة إلى كلي من الكليات، ليتحصل لدينا أقسام متباينة أو متخالفة بعدد هذه القيود، مثل الحديث: إن أضيف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مرفوع، وإن أضيف إلى الصحابي فهو موقوف، وإن أضيف إلى التابعي فهو مقطوع.

ويرى أن التقسيم المنطقي ينقسم من حيث انحصار المقسم إلى تقسيم عقلي وهو الذي يجزم العقل فيه بانحصار المقسم في أقسامه بمجرد النظر في القسمة، وتقسيم استقرائي، وهو الذي يجَّوز العقل فيه بوجود قسم آخر للمقسم غير الأقسام المذكورة، لكن إذا ما دقق في هذه التقسيمات الموجودة، فعلاً علم أنه لا توجد أقسام غيرها، موضحاً أن شروط التقسيم المنطقي هي أن يتحد أساس التقسيم في كل قسمة بموازن يكون جامعاً مانعاً، وأن يكون كل قسم مبايناً لغيره، وأخيراً أن تتصل حلقات سلسلة التقسيم.

دفاع عن الحق

«إن الهدف الأسمى في دراسة المنطق الوصول إلى معرفة الحق والدفاع عنه بالأدلة العقلية الصحيحة، وهذه الأدلة تتركب من أجزاء، ويطلق على هذه الأجزاء القضايا».

هكذا يتناول د. محمد الجوهري في الفصل الخامس مبحث القضية، ويؤكد أن القضية هي قول يحتمل الصدق والكذب لذاته، وهي تنقسم إلى نوعين من حيث الاشتراط وعدمه وهما، قضية حملية التي حكم فيها بثبوت شيء لشيء أو نفيه عنه من غير اشتراط، مثل «الأمر شورى» والقضية الشرطية وهي القضية التي حكم فيها بالربط بين شيئين على جهة الاتصال أو العناد إثباتاً أو نفياً، فهي مشتملة على شرط.

ويقول كذا تنقسم القضايا من حيث الموضوع إلى خمسة أقسام، لأن موضوعها، إما أن يكون جزئياً أو كلياً، فإن كان جزئياً سميت قضية خصية وإن كان كلياً فتسمى طبيعية، عندما يحكم على طبيعته دون النظر إلى أفراده، أو أن ينظر إلى أفراده وذلك إما ببيان كمية الأفراد أو بغير بيان، والأولى تسمى مهملة، والثانية التي يبين فيها عدد الأفراد، فإما أن يكون الحكم على جميع الأفراد فتسمى كلية أو على بعضهم فقط فتسمى «جزئية».

ويضيف: كذلك تنقسم القضية بحسب وجود أفراد موضوعها في الخارج وعدمه إلى قضية حقيقية وهي ما يحكم فيها على أفراد الموضوع الموجودة فعلاً والمقدرة الوجود، وقضية خارجية وهي ما حكم فيها على أفراد الموضوع الموجودين، بالفعل في الخارج حال الحكم مثل كل المجتهدين ناجحون هذا العام، فالنجاح لا يشمل إلا المجتهدين عند الحكم، وقضية ذهنية، وهي ما حكم فيها على أفراد ممتنعة الوجود في الخارج مثل «اجتماع النقيضين محال».

أما الفصل السادس، فيلفت فيه د. الجوهري الانتباه إلى أنه لكي تؤتي دراسة المنطق ثمارها المرجوة لابد وأن يكون الباحث والدارس على دراية كاملة بقواعد الاستدلال المنطقي، الذي هو صلب علوم الفقه الإسلامي، حيث يعرف بأنه استنتاج أو استدلال غير مباشر، وهو ما يحتاج إلى أكثر من قضية للاستدلال إلى كذب أو صدق قضية أخرى، ويشمل هذا النوع ثلاثة أمور: القياس والاستقراء والتمثيل.

ويخلص إلى أن الاستدلال إن كان من الكلي إلى الجزئي فهو القياس، وإن كان من الجزئي إلى الكلي فهو الاستقراء وإن كان من الحكم على جزئي إلى الحكم على جزئي آخر مشابه له في العلة، فهو التمثيل.