هيلاري أولسن وينديكر كلفتها وزارة الخارجية الأميركية السفر لدولة الإمارات العربية المتحدة قبل 4 سنوات للعمل مستشارة للشؤون الثقافية والإعلامية في السفارة الأميركية لدى الدولة دون أن يكون لديها فكرة عن طبيعة وناس الإمارات التي سحرت بحب حكامها لشعبهم وحب الشعب لحكامه.
وبعد أشهر قليلة من وصولها للإمارات حل شهر رمضان المبارك ضيفا عزيزا كريما فطلبت منها السفارة الأميركية (في عرف تقليدي اعتادت على القيام به منذ 15 عاما) أن تقيم مأدبة إفطار ر دعى إليها رجال سياسة وإعلام من مختلف الجنسيات في الدولة. وينديكر رحبت بالأمر وبدأت في جمع المعلومات من زملاء العمل في السفارة لتكوين رصيد معرفي عن (رمضان) والمسموح والمرغوب تقديمه للصائمين، وكانت طوال الوقت المحدد للمأدبة متخوفة من الوقوع في خطأ أمام حشد الصائمين الذين قدموا لتناول طعام الإفطار في منزلها للتعبير عن التواصل بين الشعوب بغض النظر عن الأعراق والأجناس والديانات والسياسة.
كانت سعيدة بهذا اللقاء الذي يعد الأول لها في الدولة وهي تجتمع بعدد من المسلمين الذين قدموا لتناول طعام الإفطار في منزلها تاركين أسرهم من أجل التأكيد على رسالة الشعوب في تحقيق الأمن والسلام للجميع. تقول هيلاري: أكثر ما أعجبي هو انتظار سماع آذان المغرب وشرب قمر الدين وأداء الصلاة في منزلي (حيث وفرت عددا من السجاجيد للمصلين الحضور)، مشيرة أنها سعادة لا توصف ولن تنسى هذه اللحظات بمشاركة المسلمين هذا اليوم العزيز على نفوسهم والذي يعكس طيبهم وتواضعهم بعيدا عن السياسة وهمومها والصورة التي رسمتها بعض وسائل الإعلام الغربية والعربية للمسلمين وخاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001. مستشارة الشؤون الثقافية والإعلامية في السفارة الأميركية لدى الدولة رحبت بنا عندما طلبنا منها تسجيل انطباعاتها وهي تغادر الإمارات بعد 4 سنوات من العمل وصفتها بأكثر المراحل إنجازا، حالمة بالعودة إليها لو خيرت، والى نص الحوار:
* وأنت تغادرين الإمارات بعد انتهاء فترة عملك في الدولة بماذا تحلمين؟
- أتمنى أن أرى فتيات الإمارات وخاصة اللواتي هن اليوم على مقاعد الدراسة في مراكز مرموقة بالعمل الدبلوماسي لأنهن سيكن خير سفيرات للإمارات بفضل ما يمتلكنه من شجاعة وجرأة أدبية ومقدرة على التكيف مع مختلف الأدوار التي تتطلب من المرأة إثبات الوجود ورد الجميل للوطن.
* قبل الإمارات ما الأماكن التي سبق لك العمل بها؟
- سبق لي السفر والعمل في عدة دول منها كندا مدرسة وتونس طالبة لدراسة اللغة العربية وماليزيا مرافقة للزوج واندونيسيا والهند والصين ودول أخرى موظفة بوزارة الخارجية الأميركية.
* إلى أي الدول ستغادرين ولو خيرت ماذا ستختارين؟
- بلغت من قبل وزارة الخارجية الأميركية بالسفر للنرويج ولو خيرت لفضلت البقاء في الإمارات أو العمل في إسطنبول بتركيا.
*ما هي المشاعر التي انتابتك عندما دعوت عددا من المسلمين لتناول طعام الإفطار في منزلك؟
- كما تعلمون أن أي منزل له خصوصية وطلب السفارة مني أصبح بمثابة تكليف ويجب القيام به على خير وجه والحقيقة أقول إنها كانت المرة الأولى بالنسبة لي للتعرف على طباع المسلمين وخاصة في شهر رمضان وبدأت أستعد لليوم المحدد بكل شوق وشعور بالفخر لدرجة أنني أبقيت موجودات المنزل على حالها ومنها صور أفراد العائلة إيمانا مني بأن ضيوفي هم ممن سيكونون بمثابة الأهل والأصدقاء لي في الإمارات وهذا فعلا ما حدث.
* هل إقامة مثل هذه الموائد من باب تغير صورة أميركا في العالم العربي والإسلامي بعدما لطختها الحروب والتدخلات التي تمارس في فلسطين والعراق وأفغانستان؟
- في الحقيقة لا علاقة لهذه الموائد بما ذكرت وهذه الموائد أصبحت عرفا لدى وزارة الخارجية الأميركية والبيت الأبيض والرئاسة وتمارس منذ زمن طويل بهدف تجسير الهوة بين العالمين العربي والغربي والسفارة الأميركية في الدولة تقيمها منذ ما يزيد على 15 عاماً بدليل أن السفارة حريصة على تخصيص منزل واسع للملحق الثقافي والإعلامي لترتيب مثل هذه الموائد والمناسبات واللقاءات الأخرى كي يقيمها بمنزله وليس في أماكن أخرى كالفنادق لأن للمنزل خصوصية حميمة.
* هل أنت راضية عما قدمت من خدمات للإمارات أثناء فترة عملك؟
- نعم راضية جدا وكنت أتمنى لو قدمت المزيد فلقد ساهمت بجهود متواضعة في تنظيم دورات في اللغة الانجليزية لما يزيد على 700 طالب وطالبة بواقع 200 ساعة صفية لكل طالب في مناطق عدة من الدولة منها المنطقة الغربية ورأس الخيمة وأم القيوين ودبا وكلباء والفجيرة .وخورفكان بالإضافة لتنظيم دورات خاصة بالصحافيين العاملين في وكالة أنباء الإمارات والصحف المحلية استفاد منها نحو 60 صحافياً ومصوراً صحافياً وتنسيق زيارات لصحافيين وإعلاميين لبعض الولايات الأميركية وتنفيذ برنامج «فولبريت» لإرسال طلبة من الإمارات للحصول على درجة الماجستير.
* هل نفذت برامج أخرى مع مؤسسات مجتمعية؟
- نعم نفذنا برامج مع جامعة الإمارات وجامعة زايد وكليا ت التقنية العليا عبارة عن افتتاح ركن للدراسات الأميركية كان آخرها ركناً ومكتبة للأطفال ساهم في تمويلها رجل أعمال أميركي من أصول عربية بالإضافة إلى تبرع آخرين بكتب حول الثقافة الأميركية.
* كيف كانت علاقتك بالمسؤولين في الدولة؟
- أكثر من رائعة وخاصة من تعاملت معهم عن قرب للتنسيق وتنفيذ البرامج التربوية والتعليمية والتي تحولت من أحلام وأفكار إلى واقع ملموس واسمحوا لي أن أخص بالذكر معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التعليم العالي والبحث العلمي ومعالي الدكتور حنيف حسن وزير التربية والتعليم.
* برامج تدريب الصحافيين هل هي لكسب الإعلام بصرف النظر عما تقوم به أميركا من حروب بالمنطقة أم لأهداف أخرى؟
- برامج تدريب الصحافيين ما هي إلا جزء من برامج أعدتها السفارة لتدريب المتطوعين والأطباء والمدرسين وهي من ضمن برامج يتم الأعداد لتنفيذها بالاتفاق مع جهات مختلفة وليست مقتصرة على الصحافيين وعندما تم الاتفاق على تقديم دورات لهم كان ذلك بناء على رغبة الصحافيين وحاجتهم لتطوير لتحسين مقدرتهم على إتقان اللغة الانجليزية كجزء هام من المهارات التي أصبح لا غنى عنها للتعامل من المواقع الصحافية على شبكة الانترنت والحياة اليومي في عمل الصحافي.
* ماذا عن المرأة في الإمارات؟
- مجلس سيدات أعمال أبوظبي يعد تجربة رائدة وسبق لنا التعاون مع المجلس في تنفيذ بعض الأفكار بفضل وجود عضوات مهندسات وطبيبات ومدرسات جامعيات والعاملات فيه من النساء يمتلكن شجاعة غير معهودة وقادرات على إنجاز المشروعات التي يكلفن بها بدقة متناهية مثال ذلك رعاية برامج مكافحة سرطان الثدي وما لها من أهمية في توعية النساء من مخاطر هذا المرض والحد من الإصابة به.
* كيف تنظرين إلى اللباس التقليدي «الوطني» للمرأة المواطنة؟
- المرأة المواطنة في الإمارات بطبيعتها الأنثوية جميلة جدا ولباسها المحتشم يزيدها جمالا على جمال وخاصة عندما تهب نسمة هواء وتحرك العباءة التي تريدها المرأة فأرى في تلك الحركات تناغما رائعا يزينه لون العباءة وغطاء الرأس بألوانه الزاهية وخاصة على رؤوس الفتيات طالبات الجامعات وكليات التقنية العليا وطالبات المدارس اللواتي يرتدينه بإحساس وطني بعيدا عن إغراءات الموديلات الغربية التي ترتديها معظم الفتيات من غير المواطنات في الدولة.
* وماذا عن الأكلات الشعبية في الإمارات؟
- خلال وجودي لأربع سنوات في الإمارات تعرفت إلى العديد من أصناف الأطعمة التي اشتهرت بها بلدان مختلفة ولكنني أعجبت كثيرا بالأكلات الشعبية التي تعدها نساء الإمارات وخاصة في المناسبات الشعبية والوطنية وتقدم لها حارة كالرقاق والثريد والهريس وغيرها من أصناف الأطعمة والحلويات الخاصة التي تقدم في الأعراس والمناسبات الدينية.
* هل تقدمين لنا خلاصة عملك في السنوات الأربع من عملك في الدولة؟
- السنوات الأربع الماضية كانت من السنوات الصعبة التي مرت بها المنطقة بفعل ما يدور من أحداث سياسية في بعض الدول العربية وخاصة فلسطين والعراق ولبنان وكان لابد وأن يكون التركيز من خلال السفارات .
وبالتحديد من الملحقين الثقافيين والإعلاميين على مشاريع التعليم والثقافة ومحاورة الآخرين وتقريب وجهات النظر بين العالمين العربي والغربي بعيدا عن السياسة وفتح المجال أمام الجميع للتواصل عبر المنابر الثقافية والإعلامية وترتيب اللقاءات المفتوحة للصحافيين في الدولة للالتقاء بالمسؤولين الأميركيين والاستماع لوجهات نظرهم ومحاورتهم عما يدور في المنطقة دون أية قيود وذلك بهدف بناء جسور من المحبة والعيش المشترك.
* ما أكثر شيء أعجبك في الإمارات؟
- بصدق أكثر ما أعجبت به هو حب الحكام للشعب والحرص على الالتقاء بهم في أعياد المسلمين واللقاءات الرياضية والمناسبات الوطنية وفي الأفراح وتقديم العزاء وكأنك تعيش ضمن أسرة واحدة تسهر على تأمين راحتها إضافة لحب الشعب لحكامه وحديث الأطفال عن بلدهم وهم فخورون وكذلك رغبة الناس المقيمين بالعيش مدى الحياة في الإمارات لما توفره لهم وأسرهم من حياة كريمة يفتقدها البعض في بلدانهم.
* ما هي اللغات التي تجيدينها؟
- أجيد الصينية والماليزية والعربية بشكل متواضع وأسعى لتطوير معرفتي بقواعد اللغة العربية قريبا بعدما خضت في الإمارات تجربة رائعة ترك في نفسي انطباعات كنت أجهلها عن الإنسان العربي وهمومه وهذا كله يعود لضعف الإعلام العربي والتعريف بقضايا الأمة العربية.
* العمل الدبلوماسي يتطلب من الإنسان تغيير نمط الحياة في فترات متقاربة ما أثر ذلك على حياتك الأسرية وخاصة أنك سيدة متزوجة ولديك أبناء؟
- لا شك أن العمل الدبلوماسي يتطلب منا الانتقال من بلد لآخر وأعتقد أن في ذلك الأمر العديد من الفوائد للأولاد في اكتساب ثقافات مختلفة للشعوب وتنمية للفكر يندر الحصول عليها عند الكثير من الأميركيين وفي نفس الوقت يتطلب من الأبويين الحرص على تعويض أبنائهم عما يفقدون كل مرة من صداقات وجيران من الحديث الواعي إليهم عن طبيعة الحياة وما تفرض على الشخص من ظروف يجب أن يكون مستعدا للتكيف معها.
* وأنت تغادرين عملك بالسفارة الأميركية لدى الإمارات ما هي الكلمات التي تخلفيها باقية؟
- في السفارة وتحديدا في القسم الثقافي والإعلامي عمل معي فريق متجانس من كافة الدول العربية منهم الذكر والأنثى كنا نعمل جميعا كخلية نحل هدفها المصلحة المشتركة والبناء وتقديم رحيق العسل لمن أراد ولا أخفيكم سرا أن العاملين في السفارة الأميركية في الإمارات يمثلون معظم دول العالم الذين يعيشون في الإمارات وإن كان لي من كلمات باختصار «أتمنى لكل زميل وزميلة التوفيق في مهمتهم والعمل على تغير الصورة البشعة التي تصنعها الحروب لجعل العالم يعيش برخاء وسلام».
* ما هي الهدايا التي ستحملينها من الإمارات؟
- بصدق أنا أميل كثيرا للشرق بسبب العيش المتكرر لي وزياراتي للدول العربية وكما تشاهدون معظم أركان منزلي تحمل الطابع الشرقي من تحف ومجوهرات ولوحات فنية فلذلك سوف أحمل من الإمارات أنواعا من العطور والبخور والأزياء التقليدية لتبقى ذكرى عطرة في نفسي وأسرتي كلما تذكرنا الإمارات وشعبها الطيب.
* سؤال أخير «أريد الإجابة عنه بصدق وصراحة» لو تقدم شاب عربي مسلم لخطبة إحدى ابنتيك هل ستقبلين بهذا الزواج؟
- بصدق: نعم إن كانت هي تريد مثل هذا الزواج وكذلك الحال بالنسبة لابني إن رغب بالزواج من فتاة عربية أو مسلمة.
إبراهيم السطري -تصوير: محمد حكيم وسالم خميس


