مع نهاية القرن التاسع عشر، ومطلع القرن العشرين، حدثت انتفاضة غنائية عربية في مصر، حيث حرّرت الموسيقى العربية من هيمنة الموسيقى الفارسية، والغجرية، وأسهم فيها الشيوخ عبده الحامولي، سلامه حجازي، السفتي، المنيلاوي، سيد درويش، هؤلاء أرسلهم ذووهم ليتعلّموا القراءة في الكتّاب عند مشايخ لا يجيدون سوى قراءة القرآن، وتجويده، ومن يسعفه الحّظ منهم ويفلح في حفظ ما يلقّنه له شيوخ الكتاتيب وينتقل إلى القاهرة، ليتعلّم في الأزهر ويتخرّج شيخاً معمماً.

كّل هؤلاء الذين ارتقوا بالموسيقى العربية، والذوق الفنّي العربي، هم معممون، رجال دين أتقياء لم يروا في الغناء فسقاً وخروجاً علي أصول الدين، وهم عادوا إلى المقام العربي، وأصّلوا للموسيقى العربية، واستعادوا الموشّح بمفرداته الراقية، وموسيقاه الطربية، وهكذا لم تكن رحلتهم سهلة، فهم مرّوا في ظروف صعبة.وأحيانا هجروا بيوت ذويهم وهاموا في الشوارع إلى أن وجدوا من يؤمّن لهم العمل ولقمة العيش الكريم، ويفتح أمامهم الأبواب لتعريف الجمهور المتلهّف بهم، حكاياتهم عجيبة أحياناً في العشق، وفي الحياة وتصاريفها. وهذه سيرة أحد رواد هذه الفترة، الشيخ يوسف خفاجي المنيلاوي المولود عام 1850 بمنيل الروضة القاهرة، وكان والده يعمل فلاحا بالزراعة، تقياً ورعا، وكان من المعروف عنهم الصلاح والتزام المساجد والحرص على طاعة الله بالتقرب بكل صور الطاعات، .

لذلك كان حريصا على إلحاق ولده بأقرب مكتب لتحفيظ القرآن، لكي يؤهله للالتحاق بالأزهر الشريف، الذي طالما حلم بأن يرى ولده أحد رمز هذه المؤسسة الدينية العريقة، فكثيرا ما كان يحدث زوجته أنه سوف يبذل كل جهده ليكون يوسف أحد علماء الدين في الأزهر الشريف. صوت رخيم لكن يوسف المنيلاوي قد أحب الإنشاد الديني، وخاصة سماعه للشيخ المسلوب، والشيخ خليل محرم، ثم ظهر نبوغه في هذا الفن، بالإضافة إلى أنه كان يتمتع بصوت جميل رخيم، وبعد أن اشتهر يوسف المنيلاوي كمطرب ومنشد، وخاصة في غنائه لأدوار محمد عثمان وعبده الحامولي.

حيث عاصرهما المنيلاوي في أواخر أيامهما، وبالفعل لم تستطع رغبة والده أن تثنيه عن المضي قدما في مجال الإنشاد والابتهال الديني، وربما وافق والده في نهاية المطاف على هذا الأمر لسببين، أولهما، أنه عكف على الإنشاد الديني وأداء الابتهالات الدينية فرأى أنه بذلك سوف يقدم خدمة جليلة للإسلام، فدور المبتهل أو المنشد لا يقل أهمية عن دور عالم الدين.

أما السبب الثاني الذي أدى بوالد يوسف المنيلاوي للموافقة علي دخوله هذا المجال الفني، نصيحة بعض المحيطين له بالموهبة الفائقة التي يمتلكها ولده، وبالتالي سلكه هذا المجال يعني شهرة ومالا وخدمة للإسلام في ذات الوقت، ودور مؤثر في الحياة الثقافية المصرية في هذه الآونة، هكذا وافق والده وبدأ تشجيعه والوقوف وراءه لإدراك التفوق والنجاح في هذا المجال.

تلحين القصائد

هكذا بعد مرحلة من السماع والتقليد والأداء على استحياء، بدأ الشيخ يوسف المنيلاوي في تلحين القصائد، وذاعت شهرته في تلحينها وغنائها، وأصبح قبلة الأنظار والأسماع في أفق الفن الموسيقى المصري، حتي وصل أجره إلى 100 جنيه في الليلة، ولما طبعت أغانيه علي أسطوانات عام 1908 كان يكتب له لقب خاص هو «سمع الملوك».

ومن أهم القصائد الدينية التي غناها الشيخ يوسف المنيلاوي قصيدة «سلطان العاشقين» للشاعر الصوفي الكبير الحسن بن عمرو بن الفارض، وبالرغم من أن المغني أو المطرب في وقته كان غير محترم بين علية القوم، الا أن الشيخ المنيلاوي كان كريما عفيف النفس، عالي الهمة، شديد التمسك بكرامته.

وكانت له عربة فاخرة يجرها فرسان. وسافر المنيلاوي إلي الأستانة فأرجز نجاحا كبيرا، وأعجب به السلطان عبد الحميد فقربه إليه، وكان يصحبه معه في صلاة الجمعة، كما أنعم عليه ببعض النياشين، وكان رغم أرباحه الطائلة عن طريق الغناء، يعمل في تجارة القصدير، كان لا يبخل على نفسه في أي شيء.

تراث فني

ترك المنيلاوي تراثا كبيرا إلي حد كبير مقارنة بالمعاصرين له، نظرا لحرصه علي تسجيل أغانيه على أسطوانات، كان التسجيل الأول عام 1908 مع شركة عمر أفندي، وبعد ذلك بعامين أي في عام 1910 قامت شركة «جراموفون» بطبع هذه الاسطوانات وتوزيعها على مختلف وكلائها في غالبية الدول العربية، هذه الاسطوانات التي لاقت رواجا كبيرا في ذلك الوقت من القرن الفائت.

ومن أشهر الأغاني التي سجلها المنيلاوي على الإسطوانات «جددي يا نفس حظك» و«قبل ما هوى الجمال» و«فتكات لحظك» و«حامل الهوى تعب»، ولعل أشهر أغانيه كانت أغنية «البلبل»، والتي كان إذا طلب منه أصحاب الفرح ما أن يغنيها، اشترط عليهم أن يدفعوا له 20 جنيها ذهبيا فوق قيمة العقد، الذي كان في الغالب 100 جنيه عن الليلة الواحدة، وهو الأجر الأعلى في هذه الآونة.

كان الشيخ يوسف المنيلاوي من أشهر المغنين في عصر عبد الحي حلمي، وكان يوسف المنيلاوي ينافس عبد الحي حلمي في الشهرة والصيت، إذ اعتبر بعد موت عبده الحامولي ومحمد عثمان العندليب الأوحد في كل وادي النيل، وكان سامعوه من كبار القوم يؤمون مجلسه فوق تخته الكامل، تحت رئاسة المرحوم محمد العقاد الكبير، الذي ملك ناصية العزف على القانون ومعاونه إبراهيم بهلون الكماني العظيم، وأمين البرزي، وغيرهم.

وفي السادس من يونيو عام 1911 رحل الفنان المطرب والملحن الشيخ يوسف خفاجي المنيلاوي بعد أن ترك ذكرى طيبة في عالم الغناء. ففي أسرته نبغت في عالم الغناء السيدة إجلال المنيلاوي من بطلات فرقة أم كلثوم للموسيقى العربية التراثية التابعة للمعهد العالي للموسيقى العربية بأكاديمية الفنون.