يتميز الشاعر فاروق جويدة بالقوة في الحق، وقول الصدق وعدم الموالاة في غير المصلحة، ويتضح ذلك من خلال كتاباته الصحافية وقصائده المتعددة التي تقيض بمعاني الحس والصفاء والرومانسية كذلك فهو شاعر صاحب قلب ذكي وفؤاد تقي ووجدان ممتلئ بالنشوة حتى في أحزانه وانكساراته وما أكثرها. وشاعر بهذا الحجم، لابد وأن تكون مفكرته الرمضانية تغري بالقراءة وتقليب صفحاتها، فبالطبع سنجد رمضان لديه ذا مذاق خاص، فضلا عن ذكريات مشاعر مدونة بقلم الحبر الذي لايفارقه أبدا.

عن ذكرياته خلال شهر رمضان يقول: تعود ذكرياتي عن هذا الشهر الكريم إلى مرحلتي الطفولة والصبا وكنت أعيش وقتها بالريف، حيث الحياة البسيطة الهادئة، والجو الذي يبعث على سكينة النفس، ويرسخ الإيمان داخل الأعماق.. وكنا نستقبل رمضان بشوق كبير، والجميع يبتهج لهلاله. ويضيف «جويدة» يتبقى في ذاكرتي من هذه الفترة بعض الملامح الرئيسية مثل الزيارات العائلية المتعددة، فلابد أن نزور يوميا أحد بيوت القرية، ليس الأقارب فحسب، بل والجيران، والمعارف والأصدقاء، حالة النقاء كانت تسيطر على الجميع فتختفي المشاحنات والخصومات. وعندما يقضي الجميع ليالي رمضان ما بين الصلاة والدعاء والابتهال إلى الله كان الإيمان يتجسد في أبهى صوره وتجلياته. محظوظ جدا ويطوف بنا الشاعر «فاروق جويدة» بين صفحات مفكرته الرمضانية ليصل بنا إلى بداية علاقته بالشعر فيقول: يوم عرفت أني شاعر كان في إحدى الليالي الرمضانية.

ووقتها سألت أبي عن معنى الشعر والشعراء وطلبت منه أن يحضر لي أحد الكتب من أرفف مكتبته، لأنني كنت يومها قصيراً لم تصل ذراعي للرف الموجود عليه الكتاب، وعندما أعطاني والدي الكتاب كان ديوان المتنبي، فنظر والدي ضاحكا يبدو أنك ستكون شاعرا..

ولم أكن أعرف من المتنبي، ولماذا اخترت هذا الكتاب عن دون الكتب الموجودة في المكتبة التي تزحز بالكتب الدينية، حيث كان والدي من علماء الأزهر، والطريف أنني يومها سهرت على قراءة الكتاب ونسيت موعد السحور وانتبهت لصوت آذان الفجر.. وكان اليوم التالي من أشقى أيام صباحي في رمضان حيث لم يتعدى عمري وقتها سوى 9 سنوات. ويقرأ لنا الشاعر فاروق جويدة صفحة أخرى من مفكرته الرمضانية.

ويقول: أعتبر نفسي محظوظا لأني نشأت في منزل أزهري من الطراز الفريد حيث أصدقاء والدي كانوا معظمهم من علماء الأزهر، وكل مكان في المنزل كان يشع علما ونورا وسجادة الصلاة ومسبحة وبالتالي فرمضان كان له طعم خاص في مثل هذا المنزل حيث كنت أشعر بكل روحانيات هذا الشهر، وكانت هذه الروحانيات تنعكس على تصرفاتي، وتثير إعجاب كل المحيطين بي وبأسرتي..

وفي الصفحة الأخيرة من مفكرة الشاعر الرمضانية أمنية خالصة النصح لهذه الأمة وهذا الوطن ويقول: أنا برئ من هذا الزمن لأنني أحلم بالزمن الذي أتمنى أن يجيء مثلما يجيء شهر رمضان شامخا كالفارس الكريم.. يأتي رغم علمه أن البشر تغيروا ولم يعودوا مثلما كانوا.أحلم بزمن مثلما رمضان ولياليه ولمته وفجره وصيامه وإفطاره، فمازلت أحلم والحلم عمر آخر.