في ديوان الشعر العربي صفحات تخيم عليها ظلال من النسيان أو الإهمال، رغم جدارتها بأن تكون في قلب دائرة الضوء والاهتمام، وأن تحتل مكانة سامية بين مثيلاتها، وجدارة أصحابها بالذكر الطيب والاحتفاء مثل كبار معاصريها.
وأوضح مثال على هذه الظاهرة المعيبة، صفحة الشاعر العربي العراقي الكبير عبد المحسن الكاظمي، الذي ولد ونشأ وأبدع في العراق، ثم ارتحل إلى خارج حدوده، حتى استقر وطاب له المقام في مصر، نحو أربعة عقود من الزمان، إلى أن قضى نحبه واحتضنه ثراها، فكان بحق شاعراً وأديباً بلا حدود.
ولد الشاعر الأديب بلا حدود عبد المحسن الكاظمي في بغداد بالعراق سنة 1865، فعاش شبابه ووطنه يرسف في أغلال القهر والاستبداد والتخلف التركي، الذي لم يدخر وسعاً في طمس وتشويه الهوية العربية للعراق، لغة وثقافة، وفي فرض ليل ثقيل من الجهل والتخلف على شعوب الأمة العربية كلها.
ومع أن الحكم العثماني كان يفرض على العراق عزلة قاسية عن الأشقاء في البلدان التي سبقت في النهضة، وبخاصة مصر، فإن نسمات الوعي الإصلاحي ما لبثت أن سرت إلى ربوع العراق، بتأثير ما كان يصل من مجلات النهضة، ومن كانوا يزورون العراق أو ترمي بهم المقادير إلى رحابة من رموز الإصلاح والتنوير، وبتأثير زيارات العراقيين أنفسهم للخارج.
كذلك انتعش الوعي الإصلاحي بتأثير حركة الإصلاح في الامبراطورية العثمانية نفسها، التي عرفت باسم حركة تركيا الفتاة، ومعركة الدستور العثماني. تفتح وعي الكاظمي ــــ مع الأدباء المعاصرين له أو لحقوا بجيله ـــ مثل الزهاوي والرصافي، ومحمد رضا الشبيبي، ومحمد باقر الشبيبي، ثم البصير والجواهري، على أبشع ألوان الفساد والاستغلال واستبداد الولاة، وشقاء الشعب بين أنياب الفقر والجهل والمرض. ثم قدر للكاظمي عام 1891، أن يلقى باعث النهضة في الشرق، السيد جمال الدين الأفغاني، حين رمى به جند شاه إيران مكبلاً مريضاً مقطع الثياب على حدود البصرة، عقاباً له على جرأته ومناوأته له ودعوته إلى الثورة عليه.
كان من حظ الأفغاني أن رأف به والي البصرة ورعاه وأكرمه، فعاش في رحابها ثمانية أشهر، أسرى خلالها بأفكاره إلى بعض أبناء العراق المتعطشين، وفي مقدمتهم الكاظمي، الذي صحبه معظم أيامه في العراق، وتأثر بأفكاره، وعرف ـــ على البعد ـــ تلاميذه ومريديه. فلما تفتحت مواهبه الشعرية، راح يعبر عما تجيش به نفسه من خطير الأفكار، ويجاهر بنقد الحكم المستبد، ويندد بالمظالم النازلة بالشعب:
سيروا نذب عن الحمى
ونرد عنه المستبدا
نحمي حمى أوطاننا
ونصونها غورا ونجدا
ونرد عنها من عدا
ظلما عليها أو تعدى
أوطاننا أرواحنا
بل إنها بالروح تفدى
سيروا نشد لديارنا
عدلاً بهذا الظلم هدا
ما كل من ساس الأنام
قضى فريضتها وأدى
شتان من ساس الورى
عدلاً ومن بهم استبدا
وراحت السلطة تطارده وتتحين الفرصة لإلحاق الأذى به، لولا أن نجا بنفسه بعبور الحدود والرحيل إلى إيران وغيرها، ثم ركب البحر إلى قبلة الأحرار آنذاك، أرض الكنانة والنيل. ودع الكاظمي وطنه وقلبه يتفطر، وأقبل على مصر مفعم الروح بالأمل:
وأفدح خطب شفني بصروفه
وجرعني ما لم أكن أتجرع
وقوفي على تلك الديار وقد عفت
معالم كانت زاهيات وأربع
معالم أعفاها البلى فتوزعت
وما هي إلا أكبد تتوزع
وقفت عليها آخر الليل وقفة
أودع من أطلالها ما أودع
ولا مسعد إلا الدموع وكيف بي
إذا جف ما عندي من الدمع أجمع
ولما تبينت السويس وسار بي
إلى النيل سيار من البرق أسرع
هرعت إليه عاطفاً من حشاشتي
وقلت لصحبي: هذه مصر فاهرعوا
في القاهرة، صحب الكاظمي الإمام محمد عبده، الذي غمره بحنو ورعاية بالغين، حتى إنه قرر له راتباً شهرياً من ماله الخاص. كما لقي المحبة والتقدير وحسن الصحبة من أعلام الأدب والصحافة، وعلى رأسهم الزعيم الشاعر محمود سامي البارودي العائد من منفاه البعيد في سيلان. ويروى أنه بلغ من تقدير البارودي للكاظمي أنه لم يكن ينشد في حضرته شيئاً من شعره.
وممن قدروه الشيخ علي يوسف الذي كان ينشر له قصائده التي فتحت له القلوب، وفسحت له في المجالس والمنتديات والحفلات. وقد توهجت قريحة الكاظمي، واشتهر بقدرته على الارتجال والتدفق، وكأنه يغرف من نبع ثر فياض. ولكنه كان قنوعاً زاهداً راضياً بنصيبه المحدود من الشهرة، ومن ود وقربى شاعري مصر الكبيرين شوقي وحافظ.
لكن الأيام سرعان ما عبست في وجهه بوفاة راعيه الإمام محمد عبده عام 1905، ومن قبله البارودي عام 1904. وسرعان ما سعى سعد زغلول حتى تقرر للكاظمي راتب شهري من وزارة الأوقاف. وبالجملة كانت حياة الكاظمي في مصر تراوح بين اليسر تارة والعسر تارات كثيرة، ولعل أجلى تصوير لها ما كتبه عنه الأديب إبراهيم المازني، وفيه يقول: »ظل يقول الشعر نصف قرن أو يزيد، والناس يقرؤونه ويكبرونه ويعجبون به،.
ويقولون: هذا شاعر العرب وبقية السلف الأول، ولا يخطر لهم أن الإنسان ولو كان شاعراً يقتات بشيء آخر غير الثناء، وقد أقيمت في مصر وحدها مائة حفلة وحفلة، لتكريم زيد أو عبيد، من رجال السياسة أو الحرب، أو المؤازرة في عمل من أعمال الخير والبر، وكان الكاظمي يدعى إليها، ويستدرج فيها إلى الكلام فيقول، ويستحث فيفيض، ويستزاد فيهضب ، ثم ينقلب إلى بيته ناشف الريق، جاف اللسان، موجع القلب، مطوي الأضالع على الكمد: الوحيد الذي تعييه العبارة عنه، ويعتريه إباؤه إذا هم بالجهر به، وقد كان هو أولى بالتكريم، وأخلق بالمؤازرة والإسعاف«.
على أن أهم جوانب حياة الكاظمي في مصر، كان انفتاح فكره وتفاعل مشاعره مع أحداث وطنه العراق، ووطنه الثاني مصر، ووطنه العربي والإسلامي الكبير، حتى ان ديوانه الحافل ــــ بمجموعتيه الأولى والثانية ـــ يعد مرآة لكبريات الأحداث في عصره. وفيما يتصل بالعراق، ظل الكاظمي يكابد حنينه إليه ويرسله أشعاراً حارة من قلبه:
ويا ليت أيامنا بالحمى
تعود لنا مرة ثانية
سقى الله أيامنا بالحمى
وطيب ليلاتنا الماضية
وروت معاهدنا باللوى
روائح أدمعنا الغادية
يتواصل استبداد الأتراك في وطنه، فيعلو نشيده مندداً مستنهضاً شعبه للانتفاض على ظالميه، وتغزو القوات البريطانية أرض العراق بوعود تحريرها من التبعية للأتراك، ثم ينكثون عهودهم ويسفرون عن حقيقتهم الاستعمار، فيئن قلبه بمرارة وسخرية منبهاً الوعي الوطني والقومي:
لست أشكو إلا الألى عاهدونا
ثم خانوا العهود بعد قليل
نهمة في العدى تعد قرانا
من مباح المشروب والمأكول
لم يجيء أرضنا المعادون إلا
ذهبوا بالسمين والمهزول
أتقنوا الكيد والخداع ونالوا
حيث جاروا شهادة من عذول
كل ضرب لغشنا جربوه
من ضروب التغرير والتضليل
وحين تعلن مبادئ الرئيس الأميركي ولسون حول حرية الشعوب، يناشده العون لاسترداد حرية العراق. فلما تظهر المماطلة وخلف الوعود، يرتفع صوته بسخرية مرة:
ذكرت الألى أعطوا العهود وطبلوا
بإعلانها في المشرقين وزمروا
إذا ما سألناهم وفاء عهودهم
أداروا علينا عذر من ليس يعذر
وأخيراً، يصل إلى الصحيح الذي لا يصح غيره، وهو تحرير الوطن لا يكون إلا بأيدينا:
ليس بمجد عمل
ليس لنا فيه يد
يا قوم إن تهاونوا
فحركم مستعبد
من نام عن أوطانه
فذاك ميت يلحد
ومن يمت دون حماه
فهو حي يحمد
الوطن الروح وما
أهلوه إلا الجسد
كذلك كان شعر الكاظمي صوتاً نبيلاً لقضايا العرب الكبرى، فحين غزت إيطاليا أرض ليبيا العربية، كان صوت الكاظمي بارزاً بين الأصوات الثائرة ضد الغزو، فاضحاً بوعي مستنير تمسح الطليان وتسترهم الخادع برداء السيد المسيح والمسيحية:
رحماك يا دين عيسى لا تؤاخذهم
إذا جنوا باسمك الفياح أو ظلموا
أهلوك قد جهلوا الدين الذي اتبعوا
فحملوك خطاياهم وما علموا
حاشاك أنت بريء من خلائقهم
ورب ذي كرم أتباعه لؤموا
ويحفظ التاريخ للكاظمي بالتقدير أنه كان صاحب أول نداء واضح صريح للوحدة العربية، وجاء ذلك في قصيدة يحيي فيها سعد زغلول حين تولى رئاسة الوزارة سنة 1924، ثم أتبعها بأشعار أخرى تحمل تلك الدعوة:
يا أيها العرب تعالوا
نحثكم إلى الرشد
لم لا نوحد القوى
جميعها، ونتحد؟
تحت لواء واحد
يخفق في كل بلد
عاش الشاعر الأديب بلا حدود عبد المحسن الكاظمي في مصر معظم عمره، وفيها تزوج ابنة المجاهد التونسي السيد محمود أحمد التونسي، ورزقه الله منها بوحيدته »رباب« التي كان يلقب مضافاً إلى اسمها »أبو رباب«، والتي أورثها شاعريته، ثم تزوجت الأديب والدبلوماسي العراقي »حكمت الجادرجي«، القنصل بالاسكندرية. وفي عام 1935، أسلم الكاظمي الروح، موصياً بدفنه في القاهرة التي أحبها وأبدع في رحابها روائع شعره.
ويقول التاريخ الأدبي: إنه بعد حفلات التأبين الكبيرة التي أقيمت للشاعر الكبير في مصر والعراق والشام، أسدلت ستائر النسيان والإهمال على شاعر العرب كما اشتهر. وفي عام 1947، بادرت الحكومة العراقية إلى إقامة حفل كبير بالقاهرة إحياء وتكريماً لذكراه، ونقلت رفاته إلى مقبرة لائقة في مدافن الإمام الشافعي، كما أقامت له تمثالاً في الكاظمية ببغداد مسقط رأسه، ومهرجاناً حافلاً. ثم نزلت مرة أخرى ستائر النسيان، وصار قليلاً ما ينتبه إلى ذكراه.
عبد الوهاب قتاية
