تظل المساجد الصغيرة في أحياء الإمارات ومدنها وبواديها مصدر اهتمام لا ينقطع بالنسبة لنا، ربما لاعتقادنا، الذي نأمل ألا يجافيه الصواب، ان هذه المساجد هي مساجد الغد في الإمارات بامتياز. ذلك لا يعني القول ان المساجد الجوامع قد يتقلص عددها، أو قد تغيب كمعلم عمراني، بل الأمر على العكس تماماً، فالتوسع العمراني الذي نراه يمتد كل يوم يقتضيها ويغرفها، وسيظل كذلك في المستقبل.
لكننا نعتقد أن هذه المساجد الصغيرة حجماً، والمنتشرة في كل مكان، والتي تشاد غالباً بمبادرة من أبناء الأحياء والبوادي أنفسهم، هي التي ستملأ الآفاق في الغد القريب، بحكم ضرورتها الوظيفية القصوى من ناحية، ولأنها تضطلع بمهام لا حصر لها في البيئة التي تنتمي إليها، وعلى رأسها أن تكون المعلم الرئيسي الدال في هذه البيئة. إلى هذه النوعية من المساجد ينتمي مسجد محمد بن أحمد بن درويش في رأس الخيمة، الذي افتتح في الأول من رمضان 1411 هجرية الموافق 17 مارس 1991. ونلاحظ، بداية، أن هذا المسجد لا يحيط به سور، ربما لأنه يتضافر بشكل مباشر مع النسيج الحضري المجاور له والمحيط به. وهو يمتد في كتلة مستطيلة، ربما أكثر امتداداً، ربما أكثر امتداداً مما نتوقع في هذا النوعية من المساجد.
ونلاحظ أيضاً الإصرار على الملامح الرئيسية التي ترتبط في الذاكرة الجمعية للمسلمين بصورة المسجد، حيث نجد مئذنتين تنهضان من الأرض تؤطران كتلة بيت الصلاة الرئيسي، وإن كنا نلاحظ أن إحداهما تنهض من نهاية هذه الكتلة بينما لا تنهض الأخرى من بدايتها، وإنما من ثلثها تقريباً. ونلاحظ أيضاً وجود قبة صغيرة تلفت إليها الأنظار بلونها المائل إلى الزرقة. ولا تتوقف المؤشرات الدالة على هوية البناء هنا، وإنما تمتد إلى العرائس التي تعلو سقف المسجد وإلى عقوده نصف الدائرية الدالة. قاعة الصلاة تنفتح على باحة رحبة تذكرنا بتقسيم المساجد القديمة في الإمارات، وحين ندلف إلى الداخل سنلاحظ الجهد الكبير الذي بذل في البناء، فالقبة ترتفع على أعمدة رشيقة تحف بمسقطها.
وهناك حشوات من الزخارف الخطية الجميلة والبسيطة في آن التي تشكل أهم ملامح المشروع الزخرفي لقاعة الصلاة الرئيسية وتتوقف طويلاً عن الحشوة الدائرية التي تدور بأسفل باطن القبة ملاصقة أو تكاد لتيجان الأعمدة التي ترفعها. في حائط القبة سيلفت نظرنا وجود فتحتين طوليتين تحفان بفضاء المحراب، الذي يدلف إليه عبر ثلاثة عقود حدوية، وكالعادة سيستقر المنبر البسيط إلى اليمين مقتصراً على أدائه لوظيفته التي جعل لها.
ومن المؤكد أن دروساً عديدة ستطل من هذا المسجد لتغير مساجد المستقبل في الإمارات، فالتركيز سينصرف لا إلى امتداد البناء، وإنما إلى قوته، وليس لاستحضاره العناصر التقليدية المستقرة في الذاكرة الجمعية وإنما إلى التماهي مع النسيج الحضري المحيط. ولسنا نشك أن استلهام جماليات الماضي سيطل من جديد، حتى وإن كان البناء يتم بمواد مختلفة عن تلك التي استخدمت قديماً في عمارة الإمارات.
كامل يوسف - تصوير: حنيف


