ونحن نعيش أجواء شهر القرآن، شهر رمضان وفي الأيام القليلة التي تبقت على الشهر الفضيل، ونحن نتنقل في ظلاله من نفحة إلى نفحة تكسب نفوسنا حيوية ومتعة، كان لابد لنا من أن نتذكر الشعر الإسلامي والذي ــ على غير ما ذهب إليه الدارسون من شرق وغرب من انه ضعف ولم يعد في مستوى الشعر العربي في عصر ما قبل الإسلام، هو في أحسن أحواله قوة وإبداعاً منذ فجر الدعوة إبان شعراء رسول الله صلى الله عليه وسلم: حسان بن ثابت ــ كعب بن مالك ــ عبدالله بن رواحة، مروراً بالعصر الأموي والعباسي الأول والثاني.
وصولاً إلى المدارس الشعرية المختلفة حتى يوم الناس هذا، وقد أثبت الشعر الإسلامي وجوده، على الرغم مما واجهه ويواجهه من حرب نفسية لا تخرج من دائرة الحرب النفسية التي شنت وتشن على الإسلام نفسه، بل نقول إن الشعر الإسلامي انتحى مناحي لم يكن الشعر العربي قديمه وحديثه ينتحيها أو ينتهجها.
يقول الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي رحمه الله: »الشاعر المسلم شاعر الحياة، شاعر العاطفة الإنسانية، شاعر الرباط الروحي« لم يعد الشعر الإسلامي يحتفي بشعر المدح والهجاء والرثاء والفخر القبلي والشخصي، كلا انه تجاوز كل ذلك إلى الاهتمام بقضايا الأمة وبالمنافحة عن العقيدة والدفاع عن الإسلام وما يوجه إليه من اتهامات وإساءات وشائعات.
وبعد هذه المقدمة التي نكون قد أطلنا فيها نوعاً ما نقدم من النماذج ما يؤكد ما ذهبنا إليه، ونبدأ مع الشاعر خالد البيطار من مواليد مدينة حمص بالجمهورية العربية السورية في قصيدة بعنوان »رمضان« يناجي فيها هذا الشهر الفضيل باعتباره شهر الأيام الحاسمة لانتصاراتنا بدءاً من يوم الفرقان »غزوة بدر الكبرى 17 رمضان من السنة الثانية ثم فتح مكة، وعين جالوت التي أوقفنا فيها الزحف التتاري الخطير، فمعركة الزلاقة بالاندلس بقيادة يوسف بن تاشفين والتي ثبتت وجود الأندلس لقرون بعد أن كان سقوطه قاب قوسين أو أدنى. يقول الشاعر البيطار:
رمضان يا شهر الصيام ألا
تروي العطاش بخيرك العمم
رمضان أنت على المدى ديم
والكل محتاج إلى الديم
رمضان ما أحلاك لو رجعت
أيام خيرك ثرة الكرم
إلى أن يقول:
أترى تعود؟ نعم وخالقنا
ستعود رغم تكاشف الظلم
ويعود للإسلام عزته
فيذل أنف الشرك والصنم
وهذا هو الدكتور محمود إبراهيم من مواليد فلسطين الحبيبة له قصائد احترت من أيها اختار، فقصيدة »بين هجرتين« يتحدث فيها عن هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مع صحبه بعد مضايقات المشركين لهم ثم عودتهم إليها منتصرين في ذلك الفتح المبين ويقارن ذلك بهجرة الفلسطينيين بعد اغتصاب اليهود لها وهو يضع الأمل نوراً لمسيرة عودة للأقصى الحزين باعتبار أنه نقطة الإسراء ونقطة المعراج للرسول صلى الله عليه وسلم فلا يأس وان طالت السنين، يستعرض في قصيدته هذه مجاهدات رسول الله صلى الله عليه وسلم في تثبيت الدعوة والتي توجت بفتح مكة ومن ثم انتشارها في كل الجزيرة العربية ثم الفتوحات التي أمنت الدولة الإسلامية من أعدائها إلى أن يخلص إلى قوله:
هذا جهادك يا رسول فهل لنا
أمل بنصر قادم ورجاء
أنعود للأقصى المبارك حوله
وتزول عنا هذه اللأواء؟
وبعد أن يذكر تفرقنا، وما نتج عن هذا التفرق من هوان يضع الأمل في هذه العمليات الفدائية وفي شيء آخر هو أقوى من كل ذلك، الرجاء في الله الذي نصر عبده وهزم الأحزاب وحده وفي رسول الحق من نصرة ربه »وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى يقول:
قالوا رجال أحجموا وتخاذلوا
أني ودربهم الطويل فداءُ
يا رب قد جل المصاب فرحمة
إن تقس أرض هل تضيق سماء؟
يا مرسلاً بالحق أدرك أمة
قد فرقت أحزابها الأهواء
صلى عليك الله ما هبت صبا
نجد وما عقب الصباح مساء
فقد نقول للدكتور الشاعر المجيد إن الأمر رهين في أنفسنا التي ابتعدت عن طريق الهداية ولم تترسم خطى الحبيب المصطفى.
ومن الشعراء الإسلاميين الحديثين الأستاذ محمود مفلح وهو أيضاً من فلسطين نزح إلى سوريا فعاش فيها، له مجموعة من الدواوين نختار له أبياتاً من قصيدة »كابول« ويبدو أنها ولدت بعد سقوطها في أيدي المحتلين لها، وهاك هذه الأبيات التفاؤلية منها:
زبد البحر لن يدوم وان عانيت يا أخت منهم ما يتهول هذه سنة الجهاد جراح نكتويها وقاتل وقتيل هكذا قدَّر الإله بأن النصر من عمق جرحنا مسلول يؤلم الجرح إنما نشوه النصر قريباً هي الشفاء العليل حقاً يا أخي إن سنة الجهاد جراح وان النصر مع الصبر على هذه الجراح الاليمات وهو الطريق الذي صلح به أول هذه الأمة ولا يصلح آخرها إلا به، فقط علينا أن نجعلهم القدوة الحسنة.
إن الشعر الإسلامي المعاصر في خدمة قضايانا المصيرية المشتركة ولم ينضب معينه ولو حاولنا أن نتتبعه لاستهلك منا حلقات كثيرة ولكننا نكتفي بهذه الإشارات العجلى فهناك من شعراء الإسلام المميزين المرحوم عمر بهاء الدين الأميري طيب الله ثراه، وابنه الذي نستطيع أن نقول بصدق إن هذا الشبل من ذاك الأسد وأعني به الدكتور أحمد البراء الأميري ويبرز في الساحة الشاعر العملاق والقامة البارزة صاحب الدواوين الكثر ما شاء الله وكل واحد أعظم من الآخر وأعني به الدكتور عبدالرحمن صالح العشماوي وشاعر الأقصى.
هكذا لقب لكثر ما منح الأقصى من وجدانه الشيء الكثير النابع من القلب، ذلكم شاعرنا يوسف العظم، ولا أنسى أحمد محمد صديق وضياء الدين الصابوني والدكتور عبدالقدوس أبو صالح والدكتور وليد قصاب والدكتور صالح آدم بيلو والقائمة طويلة فليعذرني الآخرون ممن ضاقت المساحة عن ذكر أسمائهم.
محمد الطيب عربي
