يقف كثيرا أمام بعض الأسئلة التي يعتقد البعض أنها منطقية ويراها هو بحكم التجربة عقيمة لا تقود إلى إجابات قاطعة تشفي غليل من يطرحها. أسئلة من ذلك النوع الذي يفتح الأبواب على كل الأجوبة ويبقيها مفتوحة إلى ما لا نهاية.
كان قد قدّم أوراقه إلى وزارة التربية والتعليم التي كانت تتولى أمر ابتعاث الطلبة إلى الخارج للدراسة آنذاك واختار البلد الذي يريد إكمال دراسته الجامعية به لأسباب منطقية من وجهة نظره، لكن الوزارة رأت أن تبتعثه إلى بلد آخر غير الذي اختاره. ولأن التغيير لم يكن بالسهولة التي تصورها، فقد أخذت عملية استعادة الأوراق وإعادة إرسالها إلى البلد الذي صمم على اختياره وقتا كانت الدراسة فيه قد بدأت بالفعل هناك. كان قد اختار تخصصا معينا لدراسته.
لكن التأخير الذي حدث على غير إرادة منه جعله يضطر إلى تغيير التخصص لإغلاق باب القبول في الكلية التي كان ينوي الانضمام إليها. ولأن نظرية (رفّة جناح الفراشة) التي عرفها فيما بعد تقول لو أن فراشة حركة جناحيها في الصين لتسببت هذه الحركة في إحداث إعصار على ساحل البحر الكاريبي جنوب شرقي خليج المكسيك على المدى البعيد، فقد غيرت هذه الأحداث مسار حياته تماما وألقت بظلالها بعد ذلك على كل خطوة فيها.
وعلى هذا المنوال توالت أحداث كثيرة، فبعد أن أنهى دراسته الجامعية قرر أن يلتحق بالعمل في إحدى وزارات الدولة، لكنه وجد هناك من يغير وجهة نظره ويوجهه إلى وزارة أخرى لتواصل نظرية (رفّة جناح الفراشة) رحلتها معه منتقلة به من شاطئ إلى آخر، ليرتاد موانئ كثيرة كان دخول بعضها يحتاج إلى مهارة من نوع خاص لا يمتلكها إلا أولئك الربابنة الذين خبروا الكثير من البحار وتدربوا على مواجهة الرياح والأعاصير كي يستطيعوا المحافظة على سفنهم في أشد حالات الطقس تقلبا وقسوة.
واليوم عندما يقف على ضفاف حياته تلك متأملا أحداثها يطرح على نفسه ذلك السؤال التقليدي الذي يطرحه كل البشر على أنفسهم: ماذا لو...؟ لكنه لا يذهب إلى ما هو أبعد من طرح السؤال لأنه يدرك أن الإجابة على هذا النوع من الأسئلة تفتح الأبواب على كل الاحتمالات، وتغلق باب الأمل الذي يحرص على أن يبقيه مفتوحا مهما عصفت الرياح وتمزقت الأشرعة وأصبح الإبحار عملية مستحيلة أو مغامرة غير مضمونة النتائج.
هو ينظر دائما إلى الجانب المشرق من الصورة، ويحصي عدد النجاحات التي يعتقد أنه قد حققها، ويعزوها لتوفيق الخالق الذي لم يتخل عنه في مواقف كثيرة ومراحل مختلفة من حياته. أما تلك الإخفاقات التي لا تخلو منها حياة إنسان على ظهر البسيطة فهي ـ كما يراها ـ الضريبة التي يجب أن يدفعها كل من يعمل ويحاول ويكرر المحاولة.
هو واثق من أن كل التحولات التي حدثت في خط سير حياته قد وضعت في طريقه أناسا ما كان له أن يلتقي بهم لو أنه سار في اتجاهات أخرى وسلك طرقا غير الطريق الذي تركت أقدامه آثارها عليه وأصبح ذاكرته التي يستعيدها ليأخذ منها العظة والعبرة كي تعينه على اتخاذ القرارات الصحيحة في القادم من أيام عمره.
تُرى كيف كان سيغدو شكل وجه الحياة لو كان له ما خطط له ولم تتدخل الأقدار في تغيير مساره؟
سؤال آخر من تلك الأسئلة التي يحاول تجنبها لأنه يعلم أن طرحها ليس أكثر من محاولة لفتح تلك الأبواب التي تقود إلى طرق يعرف بالتجربة أنها مسدودة أو مجهولة.
