لما توفي الخليفة الأُموي سليمان بن عبد الملك واستُخلِف بعده عُمر بن عبد العزيز رحمه الله أصبح زاهدا متقشفا، ولكنه مع ذلك كان حازما عادلا. ولما ولي الخلافة بعث إلى اثنين من أهل العلم هما سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ومحمد بن كعب القُرَظيّ، فقال لهما: إنكما تعلمان بوطء الأمر الذي كُلِّفتُ به، فما تريان؟
فقال له سالم: (يا أمير المؤمنين، اجعل الرعية بمثابة الأهل، فالكبير منهم بمثابة الأب والذي يماثل سنّـك فهـو بمثابة الأخ، والذي يصغرك فهو بمثابة الابن، فبُرَّ أباك، واحفظ أخاك، وارحم ابنك..).
وقال له محمد بن كعب: (يا أمير المؤمنين، أحْبِبْ للناس ما تحبُّ لنفسك، واكره لهم ما تكره لنفسك، واعلمْ أنك لستَ أول خليفة يموت!).
وغداة توليه مسؤوليات الخلافة، أقبلت إليه الوفود من كل حَدَبٍ وصوْب للتهنئة.
وذات يوم أقبلت عليه وفود كثيرة، وكانت العادة أن كل وفد ينتدب خطيبا تُتَوسّم فيه الفصاحة ليعبر عن تهنئة الوفد. ولما حان دور أحد الوفود، وكان أحد رجال الوفد يصطحب ولده معه وكان في نحو العاشرة من عمره، وإذا الغـلام
يشْرئبّ للكلام، فعَظُمَ ذلك على عمـر حتى قال للغلام: إجلس أيها الغلام ودعْ من هو أسَنُّ منك للحديث، فإذا الغلام يثِبُ حتى وقف بين يدي عمر وقال له:
يا أمير المؤمنين، إن المرْءَ بأصغرَيْه: قلبِهِ ولسانِه، وإذا أعطَى الله عبده قلبا حافظا، ولسانا لافظا فقد أعطاه الخيرَ كلَّه، ولو أن الأمور تقاس بالسنّ، لكان من بيننا من هو أحقُّ بمجلسك هذا منك!
فإذا عمر يؤخذ بثبات الغلام، وقوة جنانه، وفصاحة بيانه، وذلاقة لسانه، حتى قال له: صدقتَ يا بنيّ، فتكلم فإن هذا هو السحر الحلال!
فقال الغلام:
يا أمير المؤمنين، نحن وفدُ التهنئة، ولسْنا وفدَ التَّرْزِئَة(1)، فلم تُقْدِمْنا إليك رغْبة ولا رهْبة.. لأننا قد أمِنّا في أيامك ما خِفْنا، وأدركنا ما طلبْنا..
فتهلل عمر لمّا سمع هذا القول وفرِح بالطبع لما فيه من ثناء، وكان بجواره محمد بن كعب القُرَظِيّ، فمال على عمر وقال له:
(يا أمير المؤمنين، لا يغْلِبَنَّ جهلُ القوم بك، معرفَتَك بنفسك، فإنّ قوماً غرَّهم الثناء، وخدعهم الشكر، فزلّتْ أقدامُهم فهَوَوْا في النار، أعاذك الله تعالى أن تكونَ منهم، وألحقَكَ الله بسالف هذه الأمّة).
فبكى عمر حتى خِيف عليه، ثم قال: اللهم لا تُخْلِنا من واعظ!!