أعظم نعمة أفاءها الله سبحانه على الإنسان هي نعمة العقل.. وأعظم وظيفة يؤديها عقل الإنسان هي التفكير وأخطر عملية تؤديها هذه الوظيفة هي الابتكار وفيها يسعد المخلوق بلذة الكشف.. وجمال التعرّف وروعة التجديد. لهذا استخلف الله الإنسان في الأرض.. وعهد إليه بواجب القوامة على ما تحفل به من موارد وثروات وإمكانات.

صحيح أن هذا المخلوق البشري قد يخطئ. ولكنه أيضا قد يصيب. وصحيح أن يدعو الإنسان أحيانا بالخير بقدر ما يدعو في أحيان أخرى بالشر.. لكنه في كل حال موكّل بمسؤولية عمران الكون وصون آلائه والتحدث بما يحفل به من نعمة سابغة أفاءها فاطر الأرض والسماوات على سائر المخلوقات التي تدب فوق أديم الأرض من بشر ومن حيوان ومن نبات ومما نعلمه وما لا يعلمه سوى فالق الحب والنوى سبحانه وتعالى.

النفاثة عندما حلق الأخوان رايت بأول طائرة في تاريخ البشرية يوم 17/12/1903 من منطقة كيتي هوك بأميركا.. لم يكن أي من الشقيقين ولبور وريتشارد يحلم ـــ كما تتصور ـــ بأن يأتي يوم على هذه المركبة ـــ السفينة الهوائية فإذا بها تمرق كالسهم النافذ في أجواء الفضاء بسرعة خارقة تفوق سرعة الصوت. لكن تشاء المقادير أن يحقق العقل البشري هذا الإنجاز وفي أقل من 40 عاما أو نحوها من أول طلعة طيران في التاريخ.

الإنجاز جاء هذه المرة على يد مخترع انجليزي ولد عام 1906 ونشأ شغوفا بفكرة الطيران بل مسحورا. ـــ كما يقول مؤرخو مسيرته بتلك المركبة العجيبة التي شقت طريقها في ثقة وربما في خيلاء إلى حياة القرن العشرين. في سن الخامسة عشرة التحق الفتى «فرانك ويتل» بسلاح الطيران الملكي الانجليزي.. ولم يسمحوا له سوى بأن ينضم إلى سلك التلمذة متدربا متواضعا ليس له أن يحلم ـــ إلا في القليل النادر ـــ بأن يصبح طيارا في يوم من الأيام.

لكن مثابرته وبوادر النبوغ التي تبدّت من سلوكه وأفكاره جعلتهم يختارونه للالتحاق بكلية الطيران البريطانية حيث انفتح أمامه طريق التفكير والابتكار رحبا لكي يفكر في تطوير ـــ بل هو «تثوير» ـــ مهنة وصناعة الطيران منذ عالم الثلاثينات والأربعينات حتى تاريخ كتابة هذه السطور. في سن الحادية والعشرين بدأ الشاب «وتيل» يفكر في آلة طائرة تعلو في تحليقها إلى طبقات الجو العليا حيث تصبح أسرع وتيرة .

وأنفذ اختراقا للأجواء بحكم ما قد تصادفه في تلك الأجواء من مقاومة أقل لحركة الأجسام الطائرة. وعندما أتاحوا له سبل إجراء التجارب شرع في استخدام سلسلة من آلات الضغط ـــ المكابس فضلا عن الاستفادة من العادم الهوائي الذي تنفثه غرفة الاحتراق الداخلي نتيجة دوران محركات الطائرة مما يزيد من اندفاع المركبة الطائرة إلى الأمام..

هذه الأفكار المبدئية أو الهيكلية احتاجت بالطبع إلى تمويل من أجل تطويرها وترجمتها إلى تصاميم وخطط وحسابات مرهفة الدقة ورسومات تحولها إلى واقع عملي وإنتاج صناعي ملموس. ورغم إعجاب الرؤساء المشرفين بأفكار الفتى الحالم بثورة في عالم الطيران، ولا سيما من حيث دقة وبلاغة الأسلوب العلمي الدقيق الذي عبر به عن تلك الأفكار.

ورغم أنهم أطلقوا عليه يومها لقب «عبقري الرياضيات» ـــ إلا أن التمويل والمساندة المادية لم يجدا طريقهما إلى تشجيع الاختراع الجديد.. إذ حلت السنوات الأخيرة من عقد الثلاثينات ولاحت نذر الحرب العالمية الثانية على الأبواب. مع ذلك فقد احتاجت غوائل الحرب إلى هذا التطوير وربما فرضته فرضا فكان أن شرعوا في دعم الطائرة المنشودة..

التي حملت اسم «جت» (وترجمها اليعاربة إلى النفاثة) وكم كانت سعادة الطيار الشاب (35 سنة) حين أقلعت طائرته النفاثة ـــ أول طائرة من هذا النوع وبهذه القدرات في رحلتها ـــ العذراء كما يسمونها يوم 15 مايو من عام 1941. ورغم نجاح التجربة..

فلم يقدر لهذا النوع المتطور أن يشارك بصورة فعالة في معارك الجو بالحرب العالمية. ورغم ريادة التجربة نفسها فلم يكن معروفا في تلك الفترة أن قد سبقتها بسنتين إلا قليلا تجربة مماثلة في مجال الطيران النفاث.

. قام بها الخصم الألماني وظلت طي الكتمان وهي تجربة الطائرة النفاثة التي تمت على يد المخترع الألماني «هانز فون أوهين» وشهدها الزعيم النازي هتلر شخصيا تحت جنح من السرية وكان ذلك يوم 27 أغسطس 1939 ويومها تساءل هتلر قائلا:

- ما هي ضرورة أن نطير بأسرع من سرعة الصوت؟

وعندما شحت الأموال البريطانية لم تجد لندن مناصا من أن تشحن رسومات ومعدات الطائرة النفاثة إلى ابن العم الأميركاني غربي الأطلسي حيث تلقفتها كبرى مصانع الطائرات بالولايات المتحدة، التي بادرت إلى تهيئة السبل أمام إنتاج النفاثة لكي تستخدم للأغراض الحربية والمدنية على السواء.

ولا يدري أحد ما الذي شعر به المخترع الانجليزي الطموح وقد باعدوا بينه وبين الابتكار الذي أنفق فيه سنوات النشأة وزهوة الشباب.. كان ذلك قرب منتصف الأربعينات.. وكان أن أصيب بانهيار عصبي وتدهورت حالته الصحية بشكل عام إلى أن قرر ملك انجلترا الإنعام عليه بلقب «سير» عام 1948 وقبلها أعلنت الحكومة إعلان فوزه بجائزة «المخترع» في عام 1946.

وتشاء الأقدار أن يقرر كل من المخترع الانجليزي «فرانك ويتل» والمخترع الألماني «هانز فون أوهين» الهجرة إلى الولايات المتحدة مع مطالع الخمسينات.. حيث استقر الأول في ولاية ماري لاند قرب العاصمة واشنطون وعاش الثاني في ولاية فلوريدا في جنوب أميركا. رحل الانجليزي عن الحياة سنة 1996 ورحل الألماني إلى عالم البقاء سنة 1998..

وكل منهما يعد بمثابة الأب للطائرة النفاثة التي كان من شأنها ـــ كما هو معروف ـــ تحويل مسار ومصير حركة الطيران في العالم بعد أن أتاحت لأعداد أكبر من المسافرين سبل الانتقال والوصول في وقت أسرع عن ذي قبل مع توسيع الرقعة التي تغطيها حركة السفر الجوي من الكرة الأرضية. هكذا عاش المبتكر الانجيلزي ويتل 90 عاما..

وينبغي أن يذكر له أنه حكومته لندن أرادت أن تكافئه في عام 1946 أيضاً على جهوده الدؤوبة ونبوغه المتفرد وربما على صبره واحتماله الطويل مع تعويضه عما أصابه من أضرار في النفس والجسم..

فكان أن منحته مبلغ 100 ألف جنية استرليني في عام 1946. يومها تعفف الرجل عن أن يستأثر بذلك المبلغ ـــ الطائل وقتها ـــ فكان أن قرر أن يقتسمه مع كل المساعدين من العمال والمهنيين الذين استعان بهم على مدار السنين وكانت لمسة إنسانية يذكرها التاريخ للسير فرانك ويتل.

ماكلارين

هي بدورها نتاج أبحاث ورسومات وابتكارات وأفكار في دنيا الطيران. ورغم ذلك فهي ليست محركا للطائرة ولا حاسوبا ينظم اندفاعتها في عوالم السموات.. إنها عربة الأطفال التي ابتكرها مخترع انجليزي كان يمتهن هندسة الطيران وكان أيضاً طيارا متخصصا في اختبار الطائرات.. ومن ضمن اهتماماته.

وأيضا أكل عيشه كما يقولون، كان تصميم أجهزة وعجلات هبوط الطائرات. ولأمر ما تحولت اهتماماته إلى عجلة الطفل.. وبالذات إلى المركبة ـــ العربة التي تحمل الرضع وصغار الأطفال إلى حيث يريد الآباء والأمهات مستفيدا في ذلك من خبرة هندسية وأداء مبتكر ولو في دنيا الطيران.

«أوين فنلي ماكلارين».. عاش في وروكشاير بانجلترا وربما عايش مشكلة حمل الطفل والتنقل به محمولا بين يدي أم مرهقة أو على كتف والد مشغول وملول أو فوق عربات الأطفال الثقيلة الوزن في أيامه الغالية السعر والصعبة من حيث الحركة والصيانة، ناهيك عن حمل الأطفال ملفوفين أو مشحونين داخل كتل الأقمشة أو في أوعية تشبه السلال على نحو ما درجت عليه شعوب شتى بين هنود الأميركتين أو سكان غابات أفريقيا أو الأدغال والأهوار في آسيا.

هنالك فكر المهندس الانجليزي في كرسي صغير يأوى إليه الطفل ويمكن دفعه باليد حتى ولو كانت الأيدي النسائية الرقيقة لأن الكرسي المريح خفيف حيث لا يتجاوز وزنه 3 كيلوغرامات لأنه مصنوع من مادة الألومنيوم لكن الجديد بالنسبة لهذه الوسيلة المبتكرة من مواصلات الطفولة هو إمكانية طي الكرسي ـــ العربة بحيث يتسنى تقليص حجمها والصعود بها إلى متن الحافلات العامة بغير عناء ولا مضايقة للآخري.

وحيث تستخدم الأم المشغولة ـــ الشابة بالذات ـــ يدا لحمل الطفل واليد الأخرى لطيّ العربة ثم تستخدم قدمها كي تطرق بها محور المركبة فإذا به تنطوي ويصغر حجمها في وقت واحد متزامن. الفكرة بسيطة لكنها عملية إلى حد كبير ومأمونة بصورة أكبر.. لدرجة أن يقول واحد من كبار المهندسين ممن عاصروا بدايتها: - إن ماكلارين استطاع أن يحلّ مشكلة الطي بالحركة الإنسانية الثلاثية المتزامنة بكل صعوبتها.. ونحن اليوم نستخدم نظما مدعومة بالكومبيوتر لكي نصل إلى مثل هذه النماذج من الحلول.

عربة الطفل المحدثة تم تسجيلها كاختراع في انجلترا بتاريخ 20 يوليه 1965 ولما كان شراؤها قرارا تتخذه أولا سيدة البيت.. فضلا عن ارتباطه بالطفل وهو السيد الآخر في نفس البيت، فقد باع نموذجها الأول مع أواخر الستينات ألف وحدة منذ طرحه في السوق..

وكان بديهيا أن تتواصل لمسات التحسين والتطوير على هذا الاختراع البسيط والمريح حيث زودوا بعض نماذجه بكوابح مخصوصة للوقاية من الانزلاق، وحيث طوروا منه نماذج تناسب متحدي الإعاقة ونماذج مزدوجة لتوصيل التوائم ونماذج أخرى تتيح الجمع بين نقل الأطفال والتبضع في محلات البيع والشراء فضلا عن نماذج متقدمة ومزودة بذاكرة.. إلكترونية(!) تحفظ وزن الطفل فلان الفلاني كي تهيئ له موقعا مريحا يناسب هذا الوزن على وجه الخصوص.

في عام 1978 توفي المهندس الانجليزي أوين ماكلارين.. ولا شك أن ملايين من الأمهات في شرق العالم وغربه ما زلن يتذكرن له ابتكاره بخير وعرفان.

محمد الخولي