لطالما جذبت واحة العين العديد من الرحالة الأجانب الذين زاروها وكتبوا عنها، شدهم إليها الفضول المعرفي أحيانا، وحب المغامرة ومتطلبات مهام الوظيفة التي كانت مسندة إليهم من مسؤولين ومقيمين سياسيين خاصة البريطانيين منهم أحيانا أخرى.

ونظرا لما قرأوه وسمعوه عن هذه الواحة الوارفة الظلال وسط صحراء كانت قاحلة جرداء، تعتبر امتداداً جغرافياً طبيعياً لصحراء الربع الخالي الأسطورية المهيبة. والتي كانت مغامرة عبورها تجتذب الكثير من الرحالة المغامرين، وكانت ريادة عبورها في سنوات الثلاثينات من نصيب الرحالة البريطاني برترام توماس وقد عد انجازه هذا في الغرب مساويا لصعود أول رجل على سطح القمر... قام العقيد اس بي مايلز، المعتمد السياسي البريطاني في مسقط في شهر نوفمبر من عام 1875م بزيارة لواحة العين، قام بهذه الرحلة كما يذكر جي. بي كيلي في كتابه الحدود الشرقية لشبة الجزيرة العربية بترخيص من السلطان تركي بن سعيد وعن طريق ساحل الباطنة ووادي الجزي.

وكتب عن مشاهداته في الواحة يقول: «يمتلك بنو ياس قرى الجيمي والقطارة وهيلي ووادي المسعودي في البريمي، ويمثل بنو ياس القبيلة الرئيسية من بني هناة، وزايد بن خليفة هو الشيخ الأكبر لهذه القبيلة، وهو رجل يتميز بقوة الشخصية بل لعله الرجل الوحيد الذي يملك سلطة وسيطرة». كما سافر النقيب بي. كوكس الذي أصبح فيما بعد السير برسي كوكس إلى البريمي والظاهرة من الساحل المتصالح في عام 1902 م عندما كان معتمدا سياسيا في مسقط. وذكر كوكس في يوميات رحلته تلك أن الشيخ زايد بن خليفة (زايد الأول الكبير) أصر على أن أسافر كضيف عليه إلى عبري، التي أصبح بعدها ضيفا على حاكم مسقط.ووجد كوكس إبان رحلته أن نفوذ الشيخ زايد بن خليفة اكبر بكثير في منطقة الظاهرة من نفوذ غيره ورأى كوكس في الشيخ زايد بن خليفة رجل سلام يعتد به. عاد كوكس بعد ثلاث سنوات وبعد أن غدا وكيلا للمقيم البريطاني العام في الخليج إلى زيارة البريمي وتنقل كما سبق.

وذكر تحت حماية زايد بن خليفة الذي كتب إلى الشيخ أحمد بن هلال الظاهري شيخ قبيلة الظواهر وممثله في العين في ذلك الوقت، قبل أن يتجه كوكس إلى الداخل في شهر ديسمبر من عام 1905م يقول: وصل سعادة المقيم السياسي إلى هنا في السادس من الشهر. ولقد أجرينا معه بعض المحادثات.

ويبدو أنه يعتزم السفر إلى منطقة الجو في البريمي عن طريق رأس الخيمة ونطلب إليك أن تمضي عند وصوله بإذن الله لاستقباله. ومن المحتمل أن يرغب في الذهاب إلى الباطنة وصحار وعليك أن أبدى مثل هذه الرغبة أن ترافقه مع من يروق لك اختيارهم من جماعتنا. ونحن نأمل في أنك لن تتوانى عن تنفيذ طلبنا.

ووصل كوكس بالفعل إلى البريمي قادما من رأس الخيمة في نهاية الشهر وكتب فيما بعد الوصف التالي للواحة... «ودخلنا البريمي في هذه الرحلة من الشمال الغربي، عن طريق القرية الحديثة التي أقامها بنو ياس والمسماة بالمسعودي. وكان الابن الأكبر لشيخ أبوظبي في مقدمة الركب، ونصبنا خيامنا في قرية الجيمي، لأن هذه القرية أقرب من غيرها إلى قلب الواحة، ومناسبة كنقطة للتجول في ربوعها. وعندما يتحدث المرء عن البريمي، فإنه لا يعني القرية التي تحمل هذا الاسم، وإنما يعني الواحة كلها والتي تضم عشر قرى منفصلة، تقع في خط دائري تقريباً بحيث يبلغ قطر الدائرة نحوا من ستة أميال».

60 ألف شجرة

وتقع مياه القرية ــ الواحة ــ في عدة «أفلاج» أو أقنية تحت الأرض تسيل من التلال الواقعة إلى الشرق، مع قناة أخرى أو قناتين تمتدان من جبل حفيت. وبالرغم من أن التربة ليست كثيفة إلا أنها في غاية الخصوبة، وتشير الحسابات إلى أن في الواحة أكثر من ستين ألف شجرة من أشجار النخيل.

بالإضافة إلى ما في المنطقة من ثمار وخضار وتتركز التجارة إلى حد ما مع صحار الواقعة على الساحل إلى الشرق، ولكنها تحولت الآن إلى الشارقة ودبي، وقد أصبحت الأخيرة الميناء الذي تتوقف فيه بواخر الشركة البريطانية الهندية، ومعظم التجارة المحلية في الواحة تجري في شكل مقايضة وفي أسواق مكشوفة في العراء.

أما السلطة الفعلية في الأماكن القريبة المجاورة فقد غدت في يد شيخ أبوظبي، الذي تتزايد ممتلكاته ونفوذه بالتالي في الواحة سنة بعد أخرى... وقد نشرت وقائع رحلة كوكس هذه في المجلة الجغرافية التي كانت تصدرها الجمعية الجغرافية الملكية التي ابتعثت العديد من الرحالة الانجليز الذين جابوا أرجاء الجزيرة العربية والخليج، ونشرت كتاباتهم ومشاهداتهم على صفحات مجلتها تلك.

وقد اكتسب السير برسي كوكس فيما بعد شهرة واسعة تحت اسم المندوب السامي البريطاني في العراق.

إلى ذلك وصل إلى واحة البريمي قبل وصول كوكس بكثير الكابتن الرحالة اتكينزها مرتون الذي زارها سنة 1840م. وقد سافر لمدة أربعة أيام للوصول إلى الواحة قادما من الشارقة، وهاله منظر القلعة العظيمة على حد تعبيره، التي تطل على الواحة، وهي مزودة بمدافع مجهولة الأصل والمنشأ حسب زعمه.

ذخيرتها ليست دانات متفجرة وإنما كرات من الحجر الصلب أو الحديد وقد أذهله انتشار الخضرة وحدائق البرتقال والتين والزيتون والرمان وأشجار النخيل الباسقة وحقول القمح الممتدة حتى الأفق. وكل هذا ترويه قنوات مغطاة تحت الأرض تتخللها بين مسافة وأخرى فتحات للتهوية ومن أجل السماح للعمال بالنزول لإصلاح أي خلل. وبعض هذه القنوات طويل جدا، قد يمتد على حد قول ها مرتون لمسيرة 14 ساعة من الواحة.

السحالي الطازجة

وينسب أهل الواحة كما دون ها مرتون هذه القنوات إلى عهد الملك سليمان. كما زار الواحة القس الأميركي صامويل زويمر، جاءها راكبا من أبوظبي، ومما ذكره في يومياته أن البدو الذين رافقوه رفضوا أن يتناولوا طعاما من المعلبات المحفوظة وفضلوا على ذلك السحالي الطازجة (الضب) التي كانوا يصطادونها ويطبخونها مع الأرز.

وكان زويمر قد قام خلال عامي 1900- 1901م بثلاث رحلات في الإمارات وشمال عمان، أخذته الرحلة الأولى برا من الشارقة إلى شناص وصحار على ساحل الباطنة العماني، والثانية عن طريق البحر من أبوظبي إلى الشارقة. أما الرحلة الثالثة فقد سافر فيها برا من أبوظبي إلى صحار عن طريق العين.

وقد أشاد الأب زويمر كثيرا بحسن ضيافة الأهالي وما يتمتعون به من تسامح، ثم واصل مسيرته بعد ذلك حتى وصل إلى شاطئ الباطنة على خليج عمان، وحسب ما أنفقه هو ورفاقه فكان جمله ذلك (95) دولارا أميركيا. رحلة زويمر لواحة العين أعقبت رحلة مايلز بنحو ربع قرن.

ولعل من فوائد زيارة كوكس لأبوظبي وواحة العين (1902م) لدى وصوله واستقبال زايد الأول له استقبالا حارا كما ذكر، وإقامته في بيت الضيافة العربي وتحول زيارة المندوب البريطاني كوكس آنئذ إلى حادثة غير عادية، وفي صباح اليوم التالي لوصوله مع سلطان مسقط أقام شيخ أبوظبي عرضا خاصا للفروسية في حفل رياضي على الرمال خلف المدينة، وقد سجلت هذه المناسبة في الصور الفوتوغرافية الخالدة الوحيدة التي التقطها كوكس في أبوظبي.

ويظهر فيها الشيخ زايد وأولاده وهم يعتلون ظهور الخيل. ومن الفترة ما بين رحلتي كوكس قام الرحالة الألماني بور خارت بزيارة الساحل المتصالح خلال عامي 1903، 1904 م على اثر رحلة اللورد كيرزون نائب الملك في الهند حول موانئ الخليج.

ففي 4 فبراير 1904م وصل بور خارت إلى أبوظبي من قطر في سفينة شراعية صغيرة، وأقام هناك ستة أيام كضيف على الشيخ زايد بن خليفة.إن أول الأشياء التي أثارت اهتمام بور خارت أنه على طول الساحل تطورت مراكز تجارية مهمة، وقامت التجارة في جو يسوده الأمن. وبعد نزوله إلى ارض أبوظبي أخذوه إلى كوخ مصنوع من سعف النخيل خارج المدينة، حيث تم فرش سجادة كبيرة للشيخ ليعقد مجلسه.

وقد وصف بور خارت الشيخ زايد بن خليفة بأنه رجل مسن جليل، وشخصيته بارزة، حيث وصل وفي معيته حاشية كبيرة، فقدم له بور خارت القادم من قطر خطاب توصية من شيخ قطر. واستمر المجلس لمدة ساعتين، تم بعدها تقديم وجبة طيبة انشرح لها صدر الحاضرين.

وقد تم تخصيص كوخ له ليعيش فيه. وقد اهتم به اهتماما طيبا كما ذكر، خلال مدة إقامته في المدينة، التي استمرت ستة أيام. ووصف الطعام الذي كان يتناوله، وأسلوب الحياة البسيطة. وشاهد بور خارت رخاء معينا في أبوظبي، وذكر انه ناتج أساسا عن صناعة اللؤلؤ.

وفي أول أيام زيارته، وصادف انه كان يوم جمعة، كان بور خارت منشغلا بالتقاط بعض الصور، عندما صادفته مجموعة من الرجال الخارجين لتوهم من المسجد، وكانوا مندهشين بمنظر هذا الرحالة الأجنبي وجهاز التصوير العجيب الخاص به. وقد قام بور خارت بتصوير شيخ أبوظبي وهو يعقد مجلسه في الهواء الطلق خارج الحصن، وتعتبر هذه الصور الوحيدة الملتقطة له، حيث كانت هذه الرحلة عام 1904م وقد توفي الشيخ زايد بن خليفة عام 1909م.