سيظل التاريخ محتفظاً باسم السلطان قايتباي كأحد السلاطين العظام الذين أبدوا اهتماماً بالغاً بالعمارة والمنشآت الإسلامية، فاسمه مازال منقوشاً علي ما يزيد على سبعين أثراً إسلامياً ما بين إنشاء وتجديد فله منشآت معمارية خيرية كثيرة في مكة والمدينة المنورة وبيت المقدس وقلما يوجد حي من أحياء القاهرة القديمة أو في مصر أو حتى قطر من الأقطار العربية إلا وله فيه أثر مسجل باسمه. السلطان قايتباي هو السلطان الملك الأشرف قايتباي أحد سلاطين دولة المماليك الجراكسة..
كان أول أمره مملوكاً للملك الظاهر جقمق ثم أعتقه وظل يترقى حتى تولى السلطنة عام 278هـ وظل ملكاً على مصر حوالي 92 سنة وأقام كثيراً من المنشآت المعمارية من مساجد ومدارس وأسبلة وقناطر كما أنه عني بالعمارة الحربية والحصون فأنشأ قلعته الشهيرة بالإسكندرية. تعتبر مجموعة قايتباي المعمارية التي تقع في «مقابر المماليك» بحي الدراسة إلى الشرق من طريق صلاح سالم بالقاهرة من أبدع وأجمل المجموعات المعمارية في مصر الإسلامية.. حيث تعتبر من أدق وأرشق الآثار العربية، فهي مثال لأجمل الآثار الهندسية العربية والإسلامية التي تم بناؤها في أواخر القرن التاسع الهجري، وقد بنيت هذه المجموعة المعمارية على مرحلتين: الأولى عندما كان قايتباي أميراً فأمر ببناء مدرسته التي تعرف الآن باسم قبة الكلشني وقد بنيت في الفترة ما بين 567 ـــ 278 هـ.. وعندما تولي قايتباي السلطان عام 278 هـ شرع في بناء بقية مجموعته المعمارية وهي تتكون من مدرسة ومسجد وسبيل وكتاب وضريح وقد لعبت دقة الصناعة وجمال النسب بين تلك الأبنية دوراً هاماً في إبراز جمال وسحر هذا الأثر المعماري القيم.
يتكون مسجد السلطان قايتباي من مسقط أفقي مكون من صحن مربع، يحاط به أربع إيوانات أكبرها إيواني القبلة الجانبيان منهما صغيران وإيوان القبلة يشرف على الصحن بواسطة عقد مدبب من طراز نعل الفرس، ويكتنف المحراب من جهتيه نافذتين شكلهما من الخارج مستطيل في حين أنهما من الداخل معقودان ويعلوهما نوافذ مدببة تملؤها أجزاء الزجاج الملون ويتميز سقف الإيوان الرئيسي للمسجد بأنه مصنوع من الخشب المزخرف والمحلي بالنقوش المذهبة. ويوجد بجوار إيوان الصلاة الضريح الذي يبرز قليلاً عن الواجهة الجانبية ومغطى عن أعلاه بقبة حجرية محمولة على مقرنصات ومزخرف من الخارج بزخارف نباتية داخل مناطق هندسية محفورة على الحجر. وتعتبر مئذنة السلطان قايتباي من أجمل المآذن المصرية المعروفة بنسبهـا الجميلة..
وجمال زخرفتها.. فهي من أرقى مآذن مصر وتعد النموذج الأمثل لطراز المئذنة المصرية سواء من ناحية التكوين المعماري أو التشكيل الزخرفي ومهارة التنفيذ.. تتكون مئذنة مسجد السلطان قايتباي من ثلاثة أدوار، الأول منها محلى بنقوش وكتابات أما الثاني محلى بنقوش مورقة محاطة بجفوت ويقوم الدور الثالث منها على عمد رشيقة. ومما يذكر أن مؤذن هذه المئذنة في عصر السلطان قايتباي كان يجيد الخط والنقش في الحجر ولذلك فقد نقش على قاعدة القبة وباب المنارة ومدخلها وباب دورها الأول آيات من القرآن الكريم.
أما القبة التي دفن فيها السلطان قايتباي، وتقع في الجزء الجنوبي من مدرسته فتعد من أروع القباب للمدارس وخاصة فيما يتعلق بزخارفها الحجرية الهندسية والبنائية. ومما يذكر أن السلطان قايتباي قام بعمل سور حول مجموعته المعمارية الضخمة كان يحتوي علي عدة أبواب مازال باقياً منها بابان حتى الآن فقد كانت مجموعته أشبه بضاحية ملوكية مستقلة بمنشآتها وأسوارها وبواباتها.