الغيل تقع في أقصى الشمال الغربي من مدينة كلباء على مقربة من حدود سلطنة عمان، ورغم اقترابها من مدينة كلباء بسبب زحف التوسع العمراني، إلا أنها لا تزال تحتفظ بهدوئها وبساطتها، يعيش فيها بنو الغمري والقائدي وقليل من بني الدهماني منذ مئات السنين، لا يمكن المار فيها إلا أن تأسره روعتها وجمالها.
لقد كان إعصار جونو الذي ضرب الساحل الشرقي سببا للتعرف على هذه القرية الساحرة بجمالها، فقد كانت إحدى الطرق البديلة للفجيرة بعد إغلاق طريق الكورنيش، حيث يدهشك جمالها منذ وصولك تخومها، وتأبى إلا أن تمكث فيها لترى معالمها الجميلة التي تزخر بها.حيث ما ان تصلها حتى تجد باستقبالك عشرات من أشجار السدر والسمر والغاف على جنبات الطريق، وبعد بضع دقائق تطل عليك قلعتها الشامخة على إحدى روابضها، معلنة عن تاريخ عريق وعبق من الماضي عاشتها هذه القرية الصغيرة منذ زمن بعيد.
المياه المنحدرة من أفلاجها ووديانها من أعالي الجبال المحيطة بها كانت سببا رئيسيا في تسمية »الغيل« بهذه التسمية فهذه الكلمة المحلية تطلق عادة على »الفلج«، وهي المياه التي كانت تتدفق في شقوق أرضية طوال العام، حيث تعد أهم سمات هذه القرية وفرة المياه والأفلاج والأودية التي كانت تغذي مزارع وبساتين أهاليها، لتنبثق عنها أشجار النخيل بثمارها الطيبة، وغيرها من الأشجار والنباتات التي كانت تشتهر بها الغيل وأهمها البر والذرة. في هذه القرية استقبلنا محمد سعيد جمعة الغمري الذي يعتبر من اكبر رجالات الغيل، كشاهد على الكثير من حياة أهلها وتاريخها العريق، استمتعنا بلقائه الذي تحدث خلاله عن ماضي الغيل القديم، حيث كانت غنية بالوديان والخضرة ويكثر في جبالها الغزلان والأرانب البرية التي اختفت فقط منذ 15 عاما بعد أن أخذت مياه أفلاجها تجف، ونباتاتها الكثيفة التي كانت تغطي الجبال بالانحسار.
وبدأ الحديث الجميل بحنين للماضي رغم ما يحمله من مشقة العمل، إلا انه كان يتمنى لو أن يعود ولو لحظات لما يعكسه من حب وألفة وتعاون، فكما يقول إن حياة الماضي كانت أسهل بكثير من الحاضر، بالرغم من توافر كافة وسائل الاتصالات والمواصلات في العصر الذي نعيشه، فمطالب الناس وحاجاتهم كانت بسيطة. حيث كانوا يعيشون ببيوت من »اليص« الطين وسقف من العريش في موسم الصيف، بينما يعيشون بالخيام في فصل الشتاء، وكانوا يتكاتفون فيما بينهم، ويحبون بعضهم البعض، وحياتهم مبنية على التعاون والألفة، يأكلون ويسافرون ويعملون معا، وكأنهم أسرة واحدة ولا يوجد بغض وحسد بينهم. وكانوا يجتمعون يوميا ويساعدون بعضهم في كل شيء، وفي مناسبات الزواج كانوا يقدمون كل ما لديهم للعريس فمنهم من يجلب ناقة وآخر من يحضر خيمة ومنهم من يهدي العريس بندقية أو يحضر الطعام، فحياتهم فيها ألفة ومحبة وتعاون وتكاتف، لكنه اليوم يتحسر لأنه لا يرى مثل ذلك على الإطلاق، فالناس ابتعدوا عن بعضهم ولا يكادون يتجمعون إلا في المناسبات.
ويذكر الغمري أن الناس كانوا يأكلون مما يزرعون، ويقتاتون على تجارة الفحم »الصخام« الذي كانوا يبيعونه في كلباء ورأس الخيمة ودبي والشارقة لانتشار أشجار السدر والسمر، وينقلونه على راحلة من الحمير أو الإبل .
حيث كانت تستغرق الرحلة إلى دبي أكثر من 10 أيام، وكانت تشتهر الغيل بزراعة البر »القمح« والنخيل، والذرة والدخن والهندال والبصل واليح، كما كان يشتهر أهلها بتربية »البوش والدبش«، أي الجمال والغنم ويقتاتون على حليبها ولحمها.
إضافة إلى إنتاج كميات كبيرة من العسل الطبيعي اللذيذ المذاق الذي كان يجنيه أهلها من بساتين النخيل وغيرها من الأشجار التي كانت تغطي كافة مساحات وأراضي وجبال القرية، وكانوا يبيعونه للمناطق المجاورة، أو يستبدلونه بمقتنيات أخرى يحتاجونها لتسيير حياتهم اليومية.
ويضيف عن صفات الغيل القديمة أن مياه الأودية التي كانت تجري في الغيل والمناطق القريبة كانت لا تتوقف معظم أيام العام، ومن هذه الأودية التي كانت منبعها الجبال (غليل العومة، والفريش، والرحاب، والحفية، وغليل اليفر، وغليل الشوع) والتي نضبت وما عادت تجري لتعاقب سنوات كثيرة من الجفاف، وكانت الغيل لوفرة مياهها وأشجارها تعيش بها قطعان الغزلان، فكنا نقتات عليها ونخرج لصيدها بالبندقية التي كان لها أهمية كبرى في حياة الناس.
حيث كان يستخدمها الناس للصيد وفي الدفاع عن النفس من أطماع القبائل المحيطة حيث كانت الغيل خط الدفاع الأول لكلباء من الجهة الشمالية الغربية وكان يتكاتف أهلها في الدفاع عنها حيث يقوم الرجال بمراقبة الدخلاء من خلال القلعة الحصينة، التي بنيت قبل أكثر من 200 وكان أهلها يستبسلون في الدفاع عنها.
ولمعرفة المزيد عن هذه القلعة الشامخة على إحدى مرتفعاتها يحدثنا المشرف عليها صالح الغمري بقوله إنها شيدت في عهد الشيخ سعيد بن احمد القاسمي الذي حكم كلباء خلال الفترة من 1903 ـ 1937م ويقال إن برج قلعة الغيل الذي بناه علي بن زاهي بن ابخيم أقدم من القلعة نفسها .
حيث يعود تاريخ بنائه إلى أكثر من مئتي عام تقريبا، وقد بنيت قلعة الغيل على تلة مرتفعة حوالي 17 مترا وتتكون من ساحة يحيط بها جدار القلعة، ينفذ من مدخلين احدهما في جهة الجنوب والآخر جهة الشرق، وتتميز أرضية الساحة بأنها منخفضة بشكل مائل عن مستوى الأرضية الخارجية.
ويحيط بالساحة من جهة الغرب غرفة، ومن جهة الشرق إيوان، ومن جهة الشمال حمام ومدبسة ومسطبة مرتفعة عن ارض الساحة ومخزن ومطبخ، ومن جهة الشمال الغربي يوجد البرج وهو بناء اسطواني الشكل له مدخل صغير يتوسطه باب خشبي، يطل البرج على جميع أقسام القلعة وعلى القرية وسهولها من جهة الشمال وعلى الساحل الخليج لخور كلباء من جهة الشرق الجنوبي يوجد بالبرج سلم درجاته من الحجر مثبته في بدن البرج يستخدمها الحراس للصعود عليه مستعينين بحبل متدل من أعلى به مجموعة من العقد لضمان عدم الانزلاق.
ويتم رفعه إلى أعلى في حالة الانتهاء من الصعود وتخترق البرج ثلاث نوافذ موزعة بشكل يسمح للحراس مراقبة المنطقة المحيطة بالبرج من جميع الجهات وتفيد هذه النوافذ أيضا في التهوية وإدخال الضوء إلى البرج، وهناك بعض الفتحات (المزاغل) الموزعة على جدار البرج بارتفاعات ومسافات مختلفة تستخدم للمراقبة والدفاع،.
وهناك أيضا المسننات التي تمكن الحراس من الاختفاء خلفها والرمي على الأعداء، كما يوجد خارج المبنى قلعة الغيل جهة الجنوب الغربي بركتين للماء لاستعمال الحراس، أما المواد التي استخدمت في بناء القلعة فهي أحجار الصلبة إضافة إلى الأخشاب وجذوع النخيل والصاروج.
فراس العويسي - تصوير: محمد منور



