حقيقة الشح هي شره النفس على المال وجمعه من أي طريق حلالا كان أم حراما، قال تعالى: (وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) فهذا دليل على أنه من المفلحين لأن المسلم لا يتطلع إلى ما في أيدي الغير ولا يتعدى على حدود الله ولأن الشح خلق ذميم ومن نجا منه نجا من خطر عظيم، فقد حذرنا الرسول صلى الله عليه وسلم منه بقوله: (إياكم والشح فإنه أهلك من كانوا قبلكم) فشحيح النفس قاطع لرحمه، سيطر الشح عليه فغير أخلاقه.

أتى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أي الصدقة أعظم ؟ فقال: أن تصّدّق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، ألا وقد كان لفلان. رواه البخاري ومسلم.

ويمكن أن نستخلص من ذلك أن الإنسان في سعيه وأخذه بالأسباب لا بد أن يكون على يقين بأن الأمر كله بيد الله عز وجل (أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَّشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) الروم 37. ويقول تعالى: (إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) العنكبوت17

والمسلم مع حبه للمال وسعيه في طلبه إلا أنه يجب أن يكون بعيدا كل البعد عن الشح ومصداقا لهذا نجد القرآن يثني على خلق الايثار الذي تحلى به الانصار الذين استقبلوا المهاجرين في مدينتهم الطيبة (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الحشر 9

وروى أبو بكر عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (برئ من الشح من أدى الزكاة وقرى الضيف وأعطى في النائبة ) فلم ينف عنه وصف الشح إلا عند الأوصاف الثلاثة. وقد روى هذا الخبر أبو يعلى الموصلي والطبراني، والحافظ ضياء الدين في المختارة.

وكان عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يطوف بالبيت يقول: اللهم قني شح نفسي، لأن مَنْ وُقي شُحّ نفسه فقد فاز وأفلح. قال الحافظ ابن كثير في تفسير الآية (وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ): أي من سلم من الشح فقد أفلح وأنجح.

وفي بيان الفرق بين الشح والبخل: جاء في كتاب الكلم الطيب والعمل الصالح : الفرق بين الشح والبخل أن الشح هو شدة الحرص على الشيء والإحفاء في طلبه، والاستقصاء في تحصيله، وجشع النفس عليه، والبخل منع إنفاقه بعد حصوله وحبه وإمساكه، فهو شحيح قبل حصوله، بخيل بعد حصوله. فالبخل ثمرة الشح، والشح يدعو إلى البخل، والشح كامن في النفس، فمن بخل فقد أطاع شحه، ومن لم يبخل فقد عصى شحه ووقي شره وذلك هو المفلح.