تحدثنا عن الصحابي الجليل ثابت بن قيس الأنصاري في موقفه المشرف المتسامح مع اليهودي القرظي أسيره، وكيف أن ذلك اليهودي المجبول على اللؤم لم يقابل كل ما قدمه له ثابت من مكرمات وهي عتق رقبته ورد زوجته وولده له وأمواله التي صارت غنيمة للمسلمين من عدو حارب الإسلام، كل ذلك لم يقابل من اليهودي الأسير الا بكل جحود فطلب من ثابت أن يقتله ويلحقه بالأحباب ــ على حد قوله ــ عندما علم أنهم قتلوا فنفذ فيه ثابت حكم الإعدام الذي اختاره هو ــ ذلك اليهودي ــ لنفسه فذهب غير مأسوف عليه إلى نار جهنم وبئس المصير وذاك الموقف من اليهودي ليس أمراً مستغرباً من اليهود الذين وقع الرسول معهم أول معاهدة في المدينة تكفل لهم التمتع بما للمسلمين من حقوق وتلزمهم بما على المسلمين من واجبات ما وفوا وبعدوا عن خبث الطوية والغدر والخيانة ولكنهم لم يفعلوا فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم الحق في محاربتهم وإجلائهم عن المدينة بدءاً ببني قينقاع بعد غزوة بدر الكبرى.
وبعدهم إجلاء يهود بني النضير بعد غزوة أحد لمؤامرتهم مع قريش ضد المسلمين ثم بعد ذلك جلاء بني قريظة بعد غزوة الأحزاب »الخندق« في شوال من السنة الخامسة للهجرة لنكثهم عهودهم في أحرج ساعات الشدة إذ هموا فتح ممر للأحزاب عن طريق جبهتهم وهل من خيانة أعظم من ذلك؟ وأخيراً كان الدور على خيبر التي تجمع فيها كل المتآمرين والخونة ليشكلوا جبهة عدائية من وراء حصون خيبر المنيعة ومع كل ذلك أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه سلمهم كل صحائفهم المقدسة لم يحرق أو يمزق منها شيئاً .
كما فعل الرومان حين تغلبوا على أورشليم »القدس« وفتحوها سنة 70م إذ أحرقوا الكتب المقدسة وداسوها بأرجلهم وما فعله المتعصبون من النصارى في حروب اليهود في الأندلس، وليس اجتياح الأميركان ومن تحالف معهم للعراق وما فعلوه في بغداد ليلة سقوطها المريب ببعيد.
هذا ما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصية أبو بكر رضي الله عنه لجيش أسامة بن زيد تمثل ذروة التسامح في الإسلام: لا تخونوا ولا تغلوا »أي لا تعثوا« ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا طفلاً ولا شيخاً كبيراً ولا امرأة.. الخ. يا سبحان الله ونحن نشاهد ما يفعله الإسرائيليون في فلسطين المحتلة وما فعلوه في لبنان بمجزرتي قانا الأولى وقانا الثانية وصبرا وشاتيلا وأطفال مدرسة بحر البقر في مصر وغير ذلك الكثير وما فعلته قوات الاحتلال في العراق من مناظر عرضت علينا مما يندى له جبين الإنسانية خجلاً ومع ذلك يتحدثون عن حقوق الإنسان ويتهموننا بتجاوزها وانتهاكها، صحيح إذا لم تستح فافعل ما تشاء.
ونعود يا أحبتي إلى الصحابي ثابت بن قيس الذي اتخذناه نموذجاً للتسامح. كان له موقف مشرف آخر غير الذي كان مع أسيره اليهودي القر ذلك أنه في غزوة بني المصطلق وهي قبيلة من القبائل ذات الشأن في الحجاز في ذلك الزمان، وموقفه المشرف هذا نتج عنه إسلام القوم وإفادة الإسلام منه حيث كان إسلام تلك القبيلة سبيلاً من السبل التي مهدت لانتشار الدعوة في ربوع جزيرة العرب وتفاصيل الموقف هي أن ثابتاً وقد أبلى بلاء حسناً في تلك الغزوة وتحقق النصر لجند الله خرجت في سهمه الأسرى جويرية بنت الحارث بن ابي ضرار سيد بني المصطلق.
فهي إذن ابنة الزعيم فكان من البديهي أن لا ترضى بأن تكون سبية فكاتبت ثابت بن قيس على نفسها وكان ذلك امراً متعارفاً أن يكاتب الأسير على نفسه، بمعنى أن يفدي نفسه من الأسر نظير مبلغ من المال يتفق عليه مع أسره ولما كانت لا تملك ما تفادي به نفسها لما جرى لقومها بعد وقوفهم العدائي أمام دعوة الحق، طلبت من ثابت أن يتيح لها فرصة مقابلة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستجاب ثابت لطلبها فوراً فما كان لأحد من الصحابة أن يحجب أحداً عنه صلى الله عليه وسلم فما كانت مقابلته بالأمر الصعب فما كانت أبوابه مغلقة وما كان لديه السكرتاريات التي تمنع الناس من طرح مسائلهم عليه كما يحدث في زماننا هذا إذ أن بلوغ النجم في السماء أيسر لك من الوصول إلى المسؤول والشواهد على ذلك كثيرة لا حصر لها في كل بقعة من أراضينا وليس في جهة دون أخرى.
سمح ثابت لجويرية بنت الحارث بمقابلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد أن عرفته بنفسها قالت له بأنها وقعت في سهم ثابت بن قيس فكاتبته على نفسها وأنها لا تملك ما تفادي به نفسها فجاءته تستعين به على ذلك، وهنا اهتز القلم في يدي يا أحباب للموقف العظيم الذي لا يمكن أن يحدث من أي قائد غير رسول الإنسانية والرحمة ذي الخلق العظيم الذي أدبه ربه فأحسن تأديبه قال لها ليعيد لها اعتبارها »فهل لك في خير من ذلك؟
« ودهشت بنت الحارث ماذا يكون هذا الاختيار الذي هو خير من مال تحتاجه لتفادي به نفسها فسألته: وما هو يا رسول الله؟ قال: أقضي عنك كتابتك واتزوجك. قالت على الفور، وهل تتردد في عرض كهذا؟ أن تكون واحدة من أمهات المؤمنين؟
»نعم يا رسول الله«.
ويلاحظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يغمط ثابتاً حقه فيما يجعل له من مال وفي الوقت نفسه حفظ لجويرية مكانتها إذ إنها لو فكت من أسرها ماذا كان عساها أن تفعل فها هي صارت زوجة لخير الناس وهذا زواج من زيجاته صلى الله عليه وسلم لعوامل إنسانية تسكت المتخرصين.
وكان زواج جويرية بركة على قومها فقد أطلق جنود الإسلام ما لديهم من أسرى بني المصطلق ويقال إن تعدادهم كان مئة أسير. قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: »ما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها« تعني جويرية وصدقت الصديقة بنت الصديق. واسلم بعد ذلك القوم.
أرأيتم ثابت بن قيس في مواقفه التسامحية هذه وقد أثر عنه رضي الله عنه أنه كان مخبتاً أواباً خاشعاً وهناك شواهد على ذلك يطول شرحها فلنكتف منه بهذا القدر.
محمد الطيب عربي
