تعدُّ البسطات الرمضانية من أهم المعالم التي تميز شهر رمضان في المملكة العربية السعودية، حيث تنتشر هذه البسطات في الأسواق وعلى جنبات الطرق وفي الحياء الشعبية في مختلف المدن السعودية قبيل أذان المغرب. لتقدم للصائمين وجبات شعبية سعودية مثل الحنيذ والشوربة وخبز التنور واللحوح والبليلة والشريك بالسمسم إضافة إلى السمبوسك وأنواع مختلفة من العصائر مثل السوبيا وقمر الدين.

والبسطة الرمضانية تشبه المطعم المصغر توضع على أرصفة الشوارع وفي أماكن معينه لتقديم أطباق ومشروبات رمضانية، وتؤمن هذه البسطات التي بدأت في مدينة جدة منذ عشرات السنوات قبل أن تنتشر في شتى المناطق السعودية مصدرا جيدا للدخل خلال الشهر الفضيل للنساء والشباب، وتقصر سلطات البلدية في جدة منح التراخيص المؤقتة للبسطات على النساء المطلقات والأرامل والرجال الذين يعملون فيها بأنفسهم وتزيد أعمارهم عن ال30 عاما.

المهندس خالد عقيل وكيل أمانة جدة للخدمات أكد أن الأنشطة التي يتم الترخيص لها كنشاط بسطة خلال رمضان تشمل المأكولات الرمضانية: مثل «السمبوسك، الفطائر، البليلة، حلويات العيد، التمر، المكسرات، المعجنات، الكبدة، البطاطس، الفشار، الحلويات الشعبية، بسطات العطور،البخور، الملابس، الشنط، الإكسسوارات، التحف والهدايا.

يقول فهد ألأسمري وهو شاب سعودي يعمل في بسطة رمضانية انه ينتظر شهر رمضان بفارغ الصبر لما يحمله من روحانية وأيضا حتى يمارس هوايته التي لا يستمتع بنكهتها إلا في شهر الصوم وهي البيع من خلال البسطات، فعندما يقبل الشهر الكريم يستأجر عدة مواقع من البلدية في احدها يمارس بيع البليلة ويؤجر لأخيه بسطة أخرى لبيع الكبدة الجملي التي يرى أنها بحاجة إلى معلم محترف وطهي خاص.

ويشير الأسمري إلى أن الإقبال يزداد في النصف الثاني من الشهر الكريم إذ يفضل كثير من الشباب تناول سحورهم في الهواء الطلق ويرى البسطات الرمضانية تعتبر فرصة جيدة لبعض الشباب والموظفين لزيادة دخلهم خلال شهر رمضان عن طريق بيع بعض الأكلات أو المشروبات التي يجيدون صنعها، وتدريب أبنائهم على تعلم البيع والشراء.

نمر ومازن علي القفيدي شقيقان يعملان في إحدى البسطات قالا إن العمل في بيع المواد الغذائية والمأكولات الشعبية من الأمور التي تستهويهما في رمضان، حيث إنها فرصة للاستفادة المادية وتمضية وقت ما قبل الإفطار فيما هو مفيد، وأضافا أن رمضان يعد مصدر انتعاش اقتصاديا لكثير من الأسر السعودية التي تنتظره لتزيد خلال هذا الشهر.

تحظى البسطات الرمضانية المتخصصة في بيع المأكولات والمشروبات الشعبية عادة بإقبال كبير خلال شهر رمضان المبارك حيث يقبل العديد من الأهالي على شرائها وخاصة طلاب الكليات والعزاب، ويترجم هذا الإقبال بنفاد أغلب الأكلات المعروضة للبيع منذ وقت مبكر والذي تبدأ ذروته بعد صلاة العصر إلى قبيل صلاة المغرب.

يقول أمين بصيري المشرف على إحدى هذه البسطات في مكة المكرمة « إقامة البسطات عادة سنوية نحرص عليها منذ سنوات، حتى إن أطفالنا وقبل دخول شهر رمضان يسألون عنها، فالأطفال يفرحون بوجودها، ويستمتعون بأكلاتها الشعبية، تماما كما كنا نفعل نحن في طفولتنا، عندما كنا نحضر مع الوالد إلى البسطات، لذلك فإن هذا المكان يمثل لنا ذكريات جميلة».

ويقول شقيقه خالد بصيري إن المصلين والمارين بنا في ذهابهم وإيابهم من المسجد الحرام، وخصوصا المترجلين على الأقدام، يتوقفون أمام بسطتنا طالبين وجبات الكبدة البلدي، وبعض العوائل تطلب أن نحضر لهم طلباتها وهم في سيارتهم.

ويضيف « أتذكر عندما كنا صغاراً، كنا نتردد على مثل هذه البسطات، ونلعب في محيطها الألعاب الشعبية البسيطة، وبعض كبار السن عندما يأتوننا يطلبون منا أن نقدم لهم الوجبة على البساط الأرضي دون الكراسي، فهي جلسة شعبية كما يقولون، وهذا يفسر عدم وضع طاولات هذه العام في بسطتنا، حيث أردنا بالجلسة الأرضية إحياء العادات القديمة».

ويقول حسن بن صالح ويعمل طاهي «أذهب في الصباح الباكر إلى محل الجزارة كي أظفر بأكبر كمية من الكبدة الطازجة، وأشرف على تجهيزها بنفسي بعد ذبح الخراف والجمال، ولكن ليس كل كبد الجمال أو الخراف هي التي تنال الإعجاب والرغبات، فهناك الحاشي الصغير من الجمال فقط، والحري من الخراف وهو ذو شعبية كبيرة، وعادة ما أستطيع أن أحصل على 5 أو 6 أكباد خراف، أما كبد الجمال فعادة يبيعها الجزار بالكيلو».

وعن سبب اقتصار هذه البسطات على تقديم الكبد دون غيرها من الآكلات الشعبية من الكرشة والشربة والتقاطيع يقول بن صالح إن هذه الأكلات تتطلب نظافة أكثر، وأن محلهم ليس متوفر فيه ما يتوفر في المحلات الأخرى من تمديدات مياه وصرف صحي، ولهذا فهم حريصون على النظافة التامة. ويقول محسن محمد بائع «لي الآن قرابة 32 سنة في هذه المهنة، وأخي يعمل بنفس النشاط، ونقوم باستئجار البسطات من البلدية بعد توفير الاشتراطات الصحية كاملة، ولنا زبائننا القدامى الذين يحرصون كل عام على زيارتنا والشراء منا، ولا تجمعنا بهم إلا هذه البسطة بحكم مشاغلهم وأماكن أعمالهم».

جدة ـ عبد النبي شاهين