الدعوة إلى الله تعالى تعني حث الناس على الخير والهدى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للفوز بسعادة العاجل والآجل، ويقوم بها دعاة اختارهم الله تعالى، وهم الأنبياء والرسل والعلماء والصالحون من عباد الله تعالى وهم ورثة الأنبياء في حمل هذه الرسالة، فالدعوة إذن وظيفة الأنبياء والمرسلين، وواجب العلماء من اتباعهم ومسؤولية المؤمنين جميعاً من أممهم، وهي أشرف وظيفة يقوم بها الإنسان على الأرض.

وفي هذا السياق يأتي كتاب «دروس وعبر من تاريخ ودعوة أولي العزم من الرسل» للدكتور رجب عبد الحميد سعيد، أستاذ الدعوة والثقافة الإسلامية المساعد بكلية الدعوة الإسلامية بالقاهرة جامعة الأزهر الشريف، والصادر عن مكتبة الإيمان للنشر والتوزيع في 160 صفحة من القطع المتوسط، قسمه المؤلف إلى مقدمة وتمهيد وخمسة فصول وخاتمة وفهرس للمراجع والموضوعات. يقول د. رجب عبد الحميد سعد في مقدمة كتابه: نالت الأمة الإسلامية الخيرية والفضل على غيرها من الأمم لقيامها بأمر الدعوة إلى الله تعالى لقوله سبحانه وتعالى: «كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله»، ومن سنن الله الكونية أن الدعوة الإسلامية على مر العصور قائمة لا تعرف الوقوف ولا الركود ولا تصاب بالهرم والتعطل، فهي حافلة بالنشاط ولها من الحيوية معين لا ينصب ومادة لا تنفذ، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول:لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك.

ويضيف: وهي دعوة ذات منهج واضح وغاية محددة إذ هي حركة منهجية واقعية تتجه إلى إنشاء واقع في الأرض وفق المنهج الإسلامي ونظامه الشامل، إنها تصحيح للمسار الإنساني هداية إلى المنهج الإلهي لإقامة حياة إسلامية راشدة تنبع من روح هذا المنهج وتعاليمه، وللدعوة الإسلامية تاريخ مجيد ينبغي شرحه وماض تليد يستوجب العكوف على درسه وفهمه والإفادة منه في علاج حاضر الدعوة والتخطيط لمستقبله.

ويشدد د. رجب على أنه من الأهمية دراسة ماضي الدعوة لعلاج مشكلات الحاضر وأنه من هنا يتبين أهمية عرض القرآن الكريم لتاريخ دعوة الرسل السابقين لأقوالهم بصفة عامة ودعوة أولي العزم منهم بصفة خاصة في هذا القصص الذي يحتل مساحة واسعة من كتاب الله، فمن أهداف هذا القصص القرآني، إعطاء الداعية رصيداً ضخماً من الخبرات والتجارب التي عاشها هؤلاء الأنبياء في كفاحهم وجهادهم لأجل بناء الواقع الإنساني على ضوء منهج الله وشريعته السامية.

ويري أنه إلى جانب ما سبق من أهداف، يستهدف القصص القرآني أيضاً أخذ العبرة والعظة فيما جرت به سنة الله تعالى في خلقه على مدي العصور وفيه مع كل ذلك تثبيت لقلوب الدعاة إلى الله وللمؤمنين ليزدادوا قوة في الدعوة وينشرح دورهم بالأمل في تحقيق وعد الله لهم بالنصر.

دعوة نوح

وفي الفصل الأول من الكتاب، يتناول المؤلف دعوة نوح عليه السلام ومنهاجه والدروس المستفادة من دعوته، حيث يقول: نوح عليه السلام هو أول رسول بعث إلى أهل الأرض واحد من أولي العزم من الرسل، الذين اصطفاهم الله الدعوة إليه وأبلوا بلاء شديداً، فيقول تعالى: «وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً».

وقد جاء ذكر نوح في القرآن الكريم في 43 موضعاً، وذكر الله تعالى قصته مفصلة في كثير من صور القرآن، ومنها «الأعراف، ويونس، وهود، والأنبياء، والمؤمنون، والشعراء، والعنكبوت، والصافات، والقمر، ونوح». ويضيف بعث الله تعالى إلى قومه لمحاربة الوثنية ــ التي هم عليها ــ فلبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً وهو يحارب هذه الوثنية، وحده ليقلها من جذورها وليغرس بدلها عبادة طوال هذه المدة يتحمل كل ذلك، ليكون قدوة للرسل والدعاة الذين سيأتون من بعده، فسير نوح هو مثل حي للصبر والتحمل، وأسوة حسنة لكن من يحمل أمانة الدعوة إلى الله تعالى.

ويذكر د. رجب سعيد أن منهج نوح عليه السلام قام على الإسرار بالدعوة أولاً ثم الجهر بها أخيرا، وعدم الإكثرات لسخرية الساخرين واستعمال اللطف والعطف لاستمالة المدعوين ــ والجمع بين الدعوة والصناعة كما في صنع الفنية وتذكير الناس بنعم الله وأيامه والدعوة على الكفار بعد اليأس منهم، وأخيراً تحمل البلاء في انفصال الزوج والولد عن مواكبة الدعوة.

يخلص من خلال هذا الفصل إلى دروس مستفادة من دعوة نوح عليه السلام منها: الإيمان الكامل بالله تعالى والوفاء للحق في دعوة الداعية إلى الله، والتحلي بالعزيمة القوية التي بها تستطع التغلب على كل ما يصادفه من عقبات ومشقات، وتوجيه إلى الأهل والعشيرة وطلب الهداية لهم مع التركيز على أن رباط العقيدة أقوى من رباط الدم، واستعمال أساليب الترغيب والترهيب في دعوته والتلطف في الخطاب مع المدعوين والترفق بهم في الدعوة، وأن يكون الداعية له من العلم والإخلاص والفصاحة ما يكفيه لممارسة هذه المهمة الصعبة المقدسة، وأن الله لا يفاضل بين الناس بسبب منصب أو جاه إنما يتفاضلون بالتقوى والعمل الصالح.

دعوة إبراهيم

وخصص د. رجب الفصل الثاني من كتابه للحديث عن دعوة إبراهيم عليه السلام ونهجه، يشدد فيه أن المؤرخين يذكرون أن نسب إبراهيم يتصل في النهاية بنوح عليه السلام، وهو من أولي العزم من الرسل، حيث جاهد عليه السلام من أجل الدعوة إلى الله وعرض نفسه للهلاك في سبيل العقيدة التي آمن بها، وكانت حياته سلسلة تضحيات لربه نضرب بعمله مثلاً حياً لكافة الأمم من بعده على الإخلاص والتفاني في محبة الله سبحانه وتعالى الذي يقول فيه: «إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يكن من المشركين، شاكراً لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم».

ويرى مؤلف الكتاب أن الغرض من دعوة إبراهيم عليه السلام هو الدعوة إلى توحيد الله تعالى، التوحيد الكامل بكل شعبه، التوحيد في العبادة فلا يعبد إلا الله، والتوحيد في التكوين، فخالق السماء والأرض، وما بينهما هو الله وحده لا شريك له، والتوحيد في الذات والصفات، فليست ذاته بمركبة وليس معه آلهة أخرى، فالأنبياء والرسل جميعاً، كانت دعوتهم توحيد الله تعالى وتصديق رسله وإثبات المعاد وصحة نبوة كل واحد منهم، ومن ثم فدعوته عليه السلام كانت تتلخص في القضاء على الشرك بكل أنواعه التي انغمس فيها قومه.

ويشير د. رجب إلى أن نبي الله إبراهيم عليه السلام كان في دعوته يعتمد على استعمال الحجة والبرهان مع الأدب والوقار في دعوة الكبراء من الآباء والملوك والأقرباء، وذلك بعد أن طبق الدعوة على نفسه، وذلك بالفناء في سبيل الله والتضحية والفداء ونكران الذات والاستسلام لأوامر الله.

ويوضح مؤلف الكتاب أنه يستفاد من دعوة إبراهيم عليه السلام ومنهجه، بأنه يجب على الدعاة أن يعرفوا أن الرئاسة والإمامة لا تنال بالتمني، ولكن بالقيام بالتكاليف الشاقة، ما قام بها إبراهيم حتى جعله الله للناس إماماً، ويجب أن يطبق الدعاة على أنفسهم ما يدعون إليه حتى يكونوا قدوة للمدعوين فيجب عليهم أن يعملوا بالإسلام قبل أن يدعو إليه الآخرين.

ويجب أن يعتقدوا بضرورة الهجرة من ديار الكفر إلى ديار الإسلام لتمكين الدعوة من الانتشار، كذلك لابد من تعاون الدعاة إلى الله بعضهم مع البعض كما هو واضح من دفاع إبراهيم عن ابن أخيه لوط أمام الملائكة كما في قوله تعالى: «ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين، قال إن فيها لوطاً.

دعوة موسى

وفي الفصل الثالث، يناقش المؤلف دعوة موسى عليه السلام ومنهجه، فموسى عليه السلام نبي من أنبياء نبي إسرائيل، أرسله الله تعالى لقومه، وهو ثالث أولي العزم من الرسل، الذين خصهم الله بالعزم القوي، الصبر الجميل والتحمل الشديد، ويلقب بكليم الله، لأن الله تعالى كلمة دون واسطة.

واعتمد في دعوته على السعي الدائم وراء التمكن من الاستمرار في الذكر والتسبيح والعبادة مع الطاعة المطلقة لله تعالى، والقيام بمسؤولية الدعوة إلى الله، وكذلك كان عليه السلام يحرص دائماً على الدعوة باللسان والسنان معاً، حيث قاد الجنود وقاتل الكفار من الجبابرة الكنعانيين، كما أعان موسي عليه السلام المدعوين في شدائدهم لتأليف قلوبهم، وحرص دائماً على استعمال الأسلوب اللين في الدعوة لاستحالة المدعوين والبعد عن الكبر والغلظ والشدة والشتم واللعن.

ويلفت د. رجب في هذا الفصل النظر إلى أنه يستفاد من دعوة موسى عليه السلام الحرص على اتباع أساليب اللين في القول والدعوة بالحسنى، وانتهاز الفرص لإيقاظ الضمائر، والاعتماد على أن الإيمان يصنع الأبطال، ويجب أن يتعلم الدعاة أن ملازمة الطهارة ضرورة لمواصلة ذكر الله، ولابد أيضاً أن يستفيد الدعاة من منهج دعوة موسى عليه السلام أنه يجوز إيعانة المدعوين في شدائدهم إعانة أدية كانت أو مادية لتأليف قلوبهم واستمالتهم إلى الدعوة.

ويضيف: كذلك يستفاد من دعوة نبي الله موسى عليه السلام ضرورة الاهتمام بشأن الشباب أكثر من الشيوخ، وليقدر دور الشباب في دعم الدعوة في كل زمان ومكان، وعلى الداعية أيضاً أن يستشعر معين الله تعالى في كل وقت، وأن يوقين بأن الله معه بنصره وتأييده، وأخيراً أن يستشعر خطر الاستبداد على الأمم والشعوب.

وتحت عنوان سيدنا عيسى عليه السلام دعوته ومنهجه يأتي الفصل الرابع، ليناقش منهج عيسى عليه السلام في الدعوة وما يمكن أن يستفاد من دعوياً في هذه الآونة، ويوضح المؤلف فيه أن التوحيد هي أساس دعوة المسيح ومضمون رسالته وعلى هذا الأساس الواضح المستقيم أخذ عيسى عليه السلام يدعو إلى ربه ويقارع اليهود الحجة، بعد أن جرفوا شريعة موسى عليه السلام وجنوا على توراته، وكان عليه السلام يرفض أي إدعاء أو زيارة فوق النبوة تنسب إليه، ولما كان تجرى على يديه بعض المعجزات كان ينسبها إلى مصدره من قدرة الله تعالى، كما بين في دعوته لقومه إن الناس سواء أمام ملكوت الله ولا امتياز لأحد بمنصبه أو مكانته الدنيوية.

وأيضاً من دعوته التصديق بالرسالة السابقة والتمهيد للرسالة اللاحقة، كذلك ركز في دعوته على إصلاح الجانب النفسي والخلقي عند اليهود، ويستفاد من دعوة عيسى ــ كما يرى مؤلف الكتاب ــ ثلاثة أساليب، أولها، الطلب من الجماعة نصرة الداعي والتعاون معهم على تبليغ الدعوة، وثانيها، إغاثة الملهوف وإعانة المنكوب، ومعالجة المرضى لتأييد الدعوة، وثالثها، ضرب الأمثال العالية ومخاطبة الجمهور بالحكم البالغة وهي كثيرة في الأناجيل الأربعة.

الرسول الخاتم أما الفصل الخامس من الكتاب فخصصه المؤلف، للحديث عن الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم، الذي سلم طريقاً قومياً إلى الله تعالى معبراً تعبيراً دقيقاً عن قوله صلى الله عليه وسلم: «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن»، والمتتبع لسيرته يجده يسير في دعوته في يسر وسماحة واحتمال وصبر، وحيث أمره ربه بالدعوة إليه وتبليغ رسالته، فبدأ يدع أهله وخاصة أصحابه حتى جاء أمر ربه له بالجهر بالدعوة.

ويوضح د. رجب أن الرسول صلى الله عليه وسلم واحد من أولي العزم أرسله الله إلى العالم أجمع، وكانت المهمات التي جاء من أجلها عديدة، ويمكن حصرها في إصلاح الأوضاع العالمية الفاسدة وجمع رسالات السماء في دائرة واحدة متماسكة ووفاء عهد الله لفرع إسماعيل كفرع إسرائيل، ودعوة أهل الكتاب من الضلال إلى الإيمان وتتميم مكارم الأخلاق، مشيراً إلى أنه في سبيل ذلك اتبع أسلوب دعوى يقوم على الأخلاق الدعوة بمكارم والدعوة على بصيرة وبالحكمة والموعظة الحسنة، وبالجدال بالتي هي أحسن.

وينتهي إلى أن النجاح في الدعوة لابد فيه من الحكمة، وأحسن ما قيل في تفسير معني الحكمة في الأمة الكريمة هي العقل والتفكير الذي يضع كل شيء في موضعه، ولعل هذا المعني هو المراد من الحكمة في قوله تعالى: «يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيراً»، أما الدعوة بالموعظة الحسنة، فهي ما يكون على طريق القصص المسلية، كقصة سيدنا يوسف التي سماها الله أحسن القصص، ويلحق بها ما يكون على الحكايات المؤثرة في النفوس كالحكايات الأولياء والصالحين، الذين يقتدى بهم في صلاحهم وتقواهم، أما الجدال بالتي هي أحسن، فهو مناظرة المعارض لإظهار الحق المعلوم.