كثيرا ما كان يتعجب البعض ممن لا يعرفون العربية من الجلوس في القاعات التي يبتهل فيها رواد الابتهال أمثال النقشبندي والفشني وطوبار وتجدهم يهزون رؤوسهم معلنين عن المتعة والسعادة والتقدير لمن يقول هذا الكلام، وفي ذات الوقت يصرحون بقناعتهم وراحتهم النفسية، التي يشعرون بها جراء الاستماع إلى هذا الكلام، إلا أن الأمر بات ليس غريبا علينا عندما بدأت الفضائيات تنقل حفلات وتذيع أغاني المنشد أو المطرب سامي يوسف عبر الأثير، وبدأ غير العارفين بالإنجليزية يجلسون ليستمعوا إلى هذا الشاب الداعية العصري.

هو المنشد البريطاني الأنيق الوسيم سامي يوسف ذو اللحية القصيرة المهذبة والقوام الرياضي والهندام الأنيق، بمجرد أن تراه ترتاح عيناك لتلك الفيلا الفاخرة التي يتجول فيها، وستلمس الشاعرية في عمله هو كمصور فوتوغرافي، إذن لا شك أنك تتوقع ظهور فتاة جميلة هنا أو هناك لكي يكتمل هذا الفيديو كليب، غير أن هذا الشاب سيدهشك بأنه سيغني أغنية دينية تمدح «المعلم» محمد صلى الله عليه وسلم، ورغم أن أغنيته بالإنجليزية إلا أن الجميع يرتاحون لكلماته ويشعرون بالراحة النفسية من سماعها كأن كلماته سحرا، وهكذا أدهش هذا الداعية العصري مشاهدي الفضائيات العربية، واستطاع باقتدار أن يبدأ مشوار شهرته في العالم العربي.

سامي يوسف هو شاب بريطاني مسلم ذو أصول أذربيجانية شق طريقه نحو الشهرة بين المسلمين في أوروبا والولايات المتحدة، وبدأت تتناوله الإذاعات والصحف الأجنبية كأحد مشاهير المسلمين في الغرب، بدأ رحلته مع الموسيقي الإنشاد الديني منذ صغره، حيث درس على يد أبيه ــ الشاعر والموسيقي ــ المقامات الشرقية، وأتيحت له بعد ذلك فرصة دراسة الموسيقي الغربية بالأكاديمية الملكية بلندن من خلال منحة لا تتاح إلا لصفوة من الموهوبين. قناعة الإسلام وعلى طريق النجاح، سار هذا الشاب المسلم الذي اقتنع بإسلامه.

وقرر أن يكون داعية لهذا الدين الحنيف اليسر الرافض لكل معاني التطرف، هذا الدين الذي جاء على يد رجل أمي علمه ربه فأحسن تعليمه وتأديبه، فهو المعلم الأول للبشرية جمعاء، هذا الرجل الذي أيقن أن التعريف بدوره لغير الناطقين بالعربية ضرورة، وبالفعل بدأ المشوار بنجاح كبير بإصدار الألبوم الأول بعنوان «المعلم» في عام 2003 في أوروبا.

وضم هذا الألبوم عدة أغان دينية قام هو بكتابة كلماتها وتلحينها، وقبل الإعلان عن قدومه إلى المنطقة العربية عقر دار الإسلام، عقب إبرام بعض وكلاء الحفلات المصريين لعقود معه للقدوم للغناء في مصر، كان قد أحرز نجاحات كبيرة على مستوى العالم من خلال حفلات أحياها في بريطانيا وفرنسا والسويد وألمانيا والولايات المتحدة وكندا وماليزيا، ولكن جاءت مصر كمحطة غير عادية بالنسبة له فهي بوابة العالم العربي.

بلا شك، هي مدرسة دعوية إسلامية مستحدثة تتميز بالهدوء، حيث تعتمد على أوتار الموسيقى الهادئة لكي تأتي على شاكلة تلقى إقبالا من غير العارفين بهذا الدين، بل رغبة في الوصول إلى من شوه الإعلام الصهيوني الإسلام في مخيلتهم كذبا وتدليسا وتزييفا للحقائق.

ففي أغاني سامي يوسف جذب قوي لكل الأسماع والأفهام، نتيجة لهذا الامتزاج بين روح شرقية ذات طابع آسيوي وبين روح غربية غير خفية وبين الكلمات الإنجليزية التي تعتمد عليها الأغنيات بالأساس وبين اللوازم العربية من التهليل والتكبير وأسماء الله الحسنى أو الصلاة على النبي، وهي لوازم يجيدها ويفهمها المسلمون في الغرب بغض النظر عن معرفتهم بالعربية.

تعد أغنيات سامي يوسف اختارت أن تمسك العصا من المنتصف بالنسبة لإشكالية الحكم الشرعي للموسيقى؛ فاعتمدت على آلات الإيقاع فقط وتنوع الإيقاع بين إيقاعات شرقية أو آسيوية أو غربية حتى بعض الخلفيات الموسيقية لأغانيه التي تذكرك بالموسيقي الروحية الغربية جاء تنفيذها عبر أصوات الكورس، إلا أن في أغانيه اهتماما بالموسيقي عبر الألحان التي جاء في صالحها المضمون البسيط للأغنيات واقترابها من روح الإنشاد الصوفي والتواشيح والابتهالات في بعض الأحيان.

طريق شرعي

التميز والتفرد في مضمون معظم أغاني سامي يوسف، يقف وراء النجاح الذي أدركه، فالمعاني والألحان مختلفة عما هو سائد وربما ترتب ذلك على الرغبة في تمجيد الذات الإلهية أو مدح للرسول صلي الله عليه وسلم أو إشادة بالقيم الأخلاقية الأساسية والعامة للإسلام وللإنسانية عامة كالحب والتسامح والإخاء والتعاون والسلام.

ولم يحتو على أي مضامين سياسية أو نضالية أو حتى قضايا تفصيلية من تلك، التي تمتلئ بها الأغنيات والأناشيد الدينية المعاصرة، وكل ذلك استطاع باقتدار أن يجتذب الأسماع لهذه الأغاني. سامي يوسف مطرب يعرف هدفه جيدا ولا يحيد أبدا عن الطريق الذي رسمه لنفسه، ومن ثم نجح في اجتذاب الأبصار قبل الأسماع.

وهذا طريق شرعي للشهرة في عصر الفيديو كليب؛ فكل ما فيه جذاب ولافت؛ بدءا من مظهره الشخصي وصوره المنتشرة في شوارع العواصم العربية بشكل كثيف، مرورا بصورة غلاف الألبوم المصمم بشكل احترافي حاملا لمسات تجريدية، وانتهاء بالأهم:

أغنيته المصورة التي شكل فيها عالم الصورة مجالا جماليا موازيا فتم الاهتمام بصورة بطل الأغنية وصورة مسكنه الأنيق والباذخ، كما صورت المشاهد الخارجية في أماكن ذات أبعاد جمالية عالية مثل مسجد السلطان حسن بالقاهرة وشوارع راقية ومشاهد ليلية لمخيم في الصحراء، حتى مهنة بطل الأغنية كانت مصورا فوتوغرافيا عمله هو الاحتفاء بعالم الصورة!

أراد سامي يوسف من خلال الطرب الشرعي الذي يقدمه أن يدلل على معان وقيم إسلامية، فعالم الصورة الذي اعتمد عليه ليس جماليا فقط، وإنما يحمل أيضا قيما معينة فهي صورة تهتم بإبراز حالة من الترف.

وهو ملمح درج مشاهير عصر الفيديو كليب على إبرازه، كما أنه ــ على جانب آخر ــ أصبح هاجسا لكثير من الأوساط الإسلامية من خلال التأكيد على أن الإسلام لا يعارض الحياة الرغد ومظاهر الرفاهية الحديثة وفق ضوابط، كما أنه أصبح مصدر انتشاء لدعاة وتيارات إسلامية معاصرة قدرتهم على اجتذاب الطبقات فوق المتوسطة والعليا من المجتمع.

تجربة ناجحة هكذا تعتبر تجربة سامي يوسف المغني أو المنشد تتقاطع إذن مع تجارب تيار الدعاة الجدد من الإسلاميين الذين يتوجه خطابهم إلى الطبقات المتوسطة الصاعدة والعليا، كما يجمعهم الحرص على إبراز ذلك الوجه العصري والحديث «للإسلام».

ويجمعهم الحرص على تفادي السياسة أو التفاصيل والتركيز على الجوانب الأخلاقية العامة والفردية والعاطفية، والتأكيد على التسامح وأهمية التوافق والاندماج في المجتمع والتواجد بجوار الآخرين مهما بلغت حدة الاختلاف، فالدعاة الجدد أصبحت مختلف المحطات الفضائية -لا الدينية وحدها- منبرهم الأساسي، كما أن أغنية سامي يوسف «المعلم» تعرض في الفضائيات العربية المتخصصة في إذاعة الأغاني المصورة على مدار الساعة بلا انقطاع أو ضوابط.

الظروف تغيرت والأحوال تبدلت، وبات أمر الدعوة الإسلامية يستوجب انفتاحا أكثر مما يراه بعض الشيوخ السلفيين، وربما تكون علاقة المنشد سامي يوسف والداعية عمرو خالد أحد تجليات هذا العصر، فالشهرة التي نالها هذا المنشد يسأل الداعية خالد عن جزء كبير منها.

حيث جري خالد بما يتمتع به من قبول خاصة في أوساط الشباب على تقديم سامي يوسف للعالم العربي، وذلك بعد لقاءات مشتركة في أوروبا جاءت على شكل لقاءات يحاضر فيها، ثم تختتم الأمسية بإنشاد سامي يوسف، هذا اللقاء بين عمرو خالد المصري العربي وبين سامي يوسف الإنجليزي ذي الأصول الآسيوية يمثل أحد تجليات العولمة الإسلامية.

شعبية جارفة

وبالتالي أصبحت تجربة المنشد سامي يوسف الفنية تتوجه إلى نفس جمهور الإسلاميين الجدد في مصر، جمهور الطبقات العليا والمتوسطة الصاعدة، وهي الطبقات التي يمكنها شراء تذاكر حفلات الأول، كما يمكنها التجاوب مع أغانيه التي تعتمد بصورة أساسية على اللغة الإنجليزية.

وهو ما يشي بأنه سوف يحصد شعبية مماثلة لشعبية نجوم الوعظ والدعاة الجدد في نفس الأوساط والطبقات، التي سوف ترى فيه بديلها الفني الإسلامي، الذي يناسب مزاجها العصري، فإنه رغم حداثة سن سامي يوسف وتجربته فقد صار له معجبون وصار للمعجبين نواد خاصة على الإنترنت، شأنه شأن مشاهير النجوم، وإن كانت هذه النوادي ملحقة بمواقع ومنتديات إسلامية.