أعظم نعمة أفاءها الله سبحانه على الإنسان هي نعمة العقل.. وأعظم وظيفة يؤديها عقل الإنسان هي التفكير وأخطر عملية تؤديها هذه الوظيفة هي الابتكار وفيها يسعد المخلوق بلذة الكشف.. وجمال التعرّف وروعة التجديد. لهذا استخلف الله الإنسان في الأرض.. وعهد إليه بواجب القوامة على ما تحفل به من موارد وثروات وإمكانات. صحيح أن هذا المخلوق البشري قد يخطئ.

ولكنه أيضا قد يصيب. وصحيح أن يدعو الإنسان أحيانا بالخير بقدر ما يدعو في أحيان أخرى بالشر.. لكنه في كل حال موكّل بمسؤولية عمران الكون وصون آلائه والتحدث بما يحفل به من نعمة سابغة أفاءها فاطر الأرض والسماوات على سائر المخلوقات التي تدب فوق أديم الأرض من بشر ومن حيوان ومن نبات ومما نعلمه وما لا يعلمه سوى فالق الحب والنوى سبحانه وتعالى.

السيارة 672سنة مضت على أول اختراع يمكن أن نطلق عليه اسم «السيارة».طبعا لم تكن هي الأوتوموبيل ومعناها حرفيا المركبة ذاتية الحركة على نحو ما نعرفه في زماننا عن السيارات التي تدفعها طاقة الاحتراق الداخلي سواء بالبترول أو بالكهرباء أو بمستخرجات النبات كالحاصل في البرازيل أو بواسطة مزيج هجين (هايبرد) بين هذا كله كما يطمح الصناعيون الأميركان وغيرهم.

في سنة 1335 للميلاد شهدت إيطاليا إذ كانت تقف أيامها على عتبة الحقبة الواعدة التي عرفت في التاريخ باسم النهضة (الرينسانس) ـــ أول تصاميم المركبة تتحرك أو تحاول أن تتحرك بفضل طاقة الرياح.. هذا هو التصميم الذي طرحه على مواطنيه غويدي دافجفانو.. الذي اصطنع مركبة، لا تجرها الدواب كما كان سائدا في زمانه بل كانت مركبة أثارت دهشة الناس.. حين زودها المخترع الطلياني بآلة أقرب إلى الطاحونة الهوائية الصغيرة تتحرك بقوة الرياح فإذا بها تحرك تروسا متصلة بها..

وإذ تدور التروس فإنها تؤدي إلى دوران العجلات.. طبعا هذه المركبة ـــ السيارة البدائية الساذجة كما نصفها ـــ كانت على وجه التحقيق بمثابة نموذج رائد لا يصلح للاستلهام ومحاولات التطوير.. ومن هذه المحاولات ـــ على نحو ما يروي تاريخ السيارات ـــ نموذج صنعه إيطالي آخر في عام 1678 وحاول أن يستخدم في تحريك مركبته طاقة البخار التي كان العالم على مشارف التعامل معها..

والغريب أن النموذج المذكور كان مصنوعا لحساب شين لونغ إمبراطور الصين في الزمان. ولا يزال معرض باريس للفنون والصنائع يحتفظ بأفضل نموذج من هذه المركبات المتحركة بطاقة البخار وقد صممه نيكولاس كونو في عام 1769 ـــ قبل عشرين سنة بالضبط من اندلاع الثورة الفرنسية الكبرى.بيد أن هذه السيارات الأولية المدارة بالبخار كانت كما يقول مؤرخوها فادحة الوزن ثقيلة الحركة، ومن ثم لا تستطيع التنقل سوى فوق طرقات ذات سطوح ممهدة ملساء وشديدة المتانة..

ولذلك ظل الناس يحاولون تحريكها فوق قضبان من الحديد. وربما لهذا السبب جاء اختراع قطار السكك الحديدية بكل اتساعه وإمكاناته العملية ليصرف النظر عن أي تطوير لصناعة السيارة التي كان عليها أن تنتظر إلى السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر، وعلى وجه التحديد تنتظر ريثما تكتشف الحضارة البشرية نوعية الوقود الصالح ـــ عمليا واقتصاديا ـــ لاستخدامه من أجل إتمام عملية الاحتراق الداخلي داخل موتور المركبة التي كم راودت القرائح والأحلام..

وحتى هذا المجال شهد محاولات رائدة طريفة من قبيل تجريب استخدام البارود لتشغيل السيارة (!) إلى أن تم استخدام غاز الفحم.. ثم استطاع الفرنسي «اتيين لنوار» أن يصمم أول موتور لسيارة يستخدم البترول وكان ذلك عام 1860.. وبالفعل قاد سيارته العجيبة وكان موتورها قوة نصف.. حصان أمام دهشة الناس وإعجابهم في عام 1862.. ورغم هذه الدهشة أو الإعجاب لم يُقبل على اختراعه أحد، ومات المسكين عام 1900 مفلسا خاوي الوفاض.

من ناحية أخرى.. كان حدثا مشهودا عندما لمح الناس سيدة.. ربما كانت أول امرأة تقود سيارة.. وتتحرك بها بعد غروب الشمس في رحلة كانت الأولى من نوعها عبر مسافة 62 ميلا.. كان ذلك في إحدى ليالي عام 1888 وكانت هي السيدة فراو بيرتا زوجة واحد من أشهر مطوري ومصممي سيارات العصر الحديث وهو «كارل بنز».. أما غرض الرحلة التاريخية على متن السيارة.. التاريخية أيضاً فكان زيارة والدة الزوجة الألمانية المحظوظة.

ولأن الأميركان قوم عمليون ونفعيون.. فقد ظلوا يرقبون مشهد تطوير السيارات إلى أن جاء عام 1893 فإذا بالأخوين «تشارلس وفرانك دوريا» يكتفيان بشراء عربة خيول مستعملة بمبلغ لا يزيد على 70 دولارا وزوداها بمحرك كانا عاكفيْن على تطويره كي يشتغل بوقود البترول. وفي يوم 10 نوفمبر من ذلك العام قاد الشقيق فرانك السيارة الجديدة.. القديمة لمسافة قصيرة ولكن كانت كافية ليصبح خبرها هو المانشيت الرئيسي لجريدة «مورننغ يونيون» الصادرة في مدينة سبرنجفيلد..

وما زالت هذه السيارة محفوظة للذكرى في المتحف القومي الأميركي. وبعد 3 سنوات من ذلك التاريخ استطاع رجل أعمال نابغة في أميركا أن يبني سيارته الأولى ثم باعها بمبلغ جسيم هو 200 دولار بأسعار عام 1896.. وكان اسمه «هنري فورد» الذي ينسب إليه تثوير أسلوب العمل الصناعي حين واتته فكرة خط التجميع داخل المصنع.

وكان هذا بمثابة التمهيد العملي والإبداعي لدور السيارة الطبيعي على امتداد القرن العشرين.. وهو دور لم يرتبط فقط بتسهيل أو تسريع عمليات النقل والانتقال وإنما كان له أبعاده السوسيولوجية التي طبعت بطابعها المجتمع البشري بأكمله: نظرة الناس إلى المكانة الاجتماعية للإنسان.. علاقة هذا الإنسان بالآلة التي حملت اسم السيارة ـــ إبداعات المخترعين والإعلاميين والإعلانيين لترويج السيارة..

ومحاولة اصطناع جسور «عاطفية» بينها وبين صاحبها.. دع عنك الأبعاد السياسية وتشابكاتها مع نمط العلاقات الدولية ومواقع النفوذ والتأثير على خارطة عالمنا وليس أقلها مثلا تلك المنافسة المحتدمة بين سيارات أوروبا وأميركا.. وسيارات اليابان وكوريا.. والقصة حافلة.. وتكاد تلخصها عبارات كتبها مؤرخ أميركي متخصص في هذا المجال موجهة إلى قارئه الشاب.. وهي: جرّب مرة واسأل جدك أو جيرانك عن أول سيارة استطاعا اقتناءها.. وأنا متأكد أن ستسمع قصة طويلة ومثيرة أيضاً.

درجات السلم تتحرك

الدَرَج - الدرجات في اللغة اللاتينية هي «سكالا» والمصعد الذي يرتقي به الراكب إلى أعلى هو «إيليفاتور» في رطانة الأميركان.. ومن مزج الكلمتين حصل القوم على كلمة «الاسكالاتور» والقوم هنا يمثلهم بالتحديد تشارلس سبيرغر الذي صمم السلّم المتحرك صعودا وهبوطا في عام 1897، ثم أشرف على إنتاجه تجاريا ومن ثم طرحه في السوق بالتعاون مع شركة أوتيس في آخر سنوات القرن التاسع عشر لكي يسعد به أهل القرن العشرين.

بيد أن أول براءة اختراع للسلم المتحرك حصل عليها ـــ نابغة آخر سقط اسمه سهوا من دفتر التاريخ. وكان ذلك في عام 1859 وربما يرجع ذلك إلى أن البراءة لم تكن تعدو الفكرة دون أن تتجاوزها إلى أي تطبيق عملي أو اقتصادي. وهذا التطبيق كان من نصيب جيسي رينو في إحدى ضواحي نيويورك الذي ارتبط اسمه باختراع السلم المنحنى كما أسماه في عام 1895 واستخدمه لصعود وهبوط رواد الملاهي في حي كوني آيلاند مقتصرا بذلك على أغراض التسلية والفرجة وإزجاء الفراغ.

وما كان من شركة أوتيس إلا أن عمدت في عام 1911 إلى شراء ابتكارات وتصاميم كل من رينو وسيبرغر لتحتكر لسنوات طويلة إنتاج الأنواع العملية من السلالم المتحركة.. وبهذه الصفة ظل مهندسوها يضيفون المزيد من التطورات والتجديدات على هذه السلالم المتحركة كي ينقلوها من مجرد التسلية إلى حيث تصبح، وقد أصبحت، من لوازم المرافق الحديثة سواء في المطارات ومحطات الركاب أو في المستشفيات وما في حكمها..

وإلى جانب تطوير الاستخدام.. جاء تطوير التصميم والتصنيع فقد كان السلّم القديم في أواخر القرن التاسع عشر يقوم على أساس تحريك درجاته على أوتار حزام عملاق شديد المتانة من الجلد.. بل كان أول إنتاج معترف به في هذا المجال هو السلم الخشبي الذي صنعه الأميركان ونال الجائزة الأولى في معرض باريس الدولي عام 1900.

ومن الطريف أن ظلت شركة أوتيس تحتكر إنتاج الاسكالاتور وتلاحق وتقاضي من يتدخل فيما كانت تعده حقا ثابتا لها تحميه براءة الاختراع، إلى أن جاء عام 1950 فإذا بدائرة الاختراعات في الولايات المتحدة تصدر فتواها بأن الكلمة ـــ اسكالاتور ـــ لم تعد ماركة مسجلة مقصورة على شركة بعينها بل دخلت إلى قواميس اللغة الانجليزية بوصفها مصطلحا عموميا يصدق على أي نوع من أنوع السلالم والدرجات المتحركة بطاقة الكهرباء أو بغيرها. وبهذا انتهى أمد الاحتكار وظلت السلالم الكهربائية تطلع وتنزل طليقة بغير حدود.

محمد الخولي