لماذا اسلم فنسان مونتيه أو المنصور بالله الشافعي كما سمي نفسه بعد إسلامه عام 1977؟ أسباب عديدة ومتشابكة وراء ذلك، فهو رجل بحث وترحال اهتم بدراسة القضايا الإسلامية، وقضى سنوات عديدة في المغرب والمشرف العربيين وفي ايران والسنغال واندونيسيا وزار غانا وساحل العاج وسيراليون وموريتانيا.
وقد شغل مونتيه منصب أستاذ اللغة العربية والتاريخ الإسلامي بجامعة باريس، ثم أصبح رئيس مؤسسة الدراسات الإسلامية في داكار، ونشر حوالي مئة بحث ومقال، وحوالي 20 كتاباً عن الإسلام والحضارة الإسلامية منها: كتاب «الإرهاب الصهيوني» وكتاب «المسلمون في الاتحاد السوفييتي» وكتاب «الإسلام في افريقيا السوداء» وكتاب «مفاتيح الفكر العربي».. كما ترجم مقدمة ابن خلدون إلى الفرنسية في ثلاثة مجلدات ضخمة. يقول فنسان مونتيه: لقد اخترت الإسلام دينا ألقى به وجه ربي، وذلك لأسباب شتى، منها الأسباب الدينية، والأسباب الأخلاقية، والأسباب الاجتماعية والأسباب الثقافية، والأسباب العاطفية، وبالنسبة للأسباب الدينية جاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه)، كنت فيما مضى كاثوليكا وفي الكاثوليكية اعتماد على «أسرار» و«قربان» و(كرسي اعتراف) و(وسيط لدى الاله).. وكثير من الأمور لم افهمها ولم استطع الايمان بها، ويكفي أن يكون الإسلام بريئا من هذا كله، يتوجه فيه المسلم إلى الله مباشرة يدعوه: يارب.. دون وسيط دون كرسي اعتراف فيستجيب دعاءه.
بالتعصب وإشهار سيف الجهاد ضد المعارضين ولو عقلوا لعلموا أن الجهاد مفروض لإحقاق وإرهاق الباطل والإسلام دين تسامح حقيقي وهو عقيدة «الحنفية السمحاء» أما الذين يتهمون الإسلام بالرق، فالرق ظاهرة وجدت قبل الإسلام وكان الإسلام أول محرر للرقيق وأول ساع لإلغائه وتحرير الرق في الإسلام تقرب وطاعة لله أما تعدد الزوجات فقد سمح الإسلام حقا للرجل أن يتزوج بأربع نساء، ولكن وضع شروطا يكاد يكون من المستحيل على الإنسان تطبيقها وعلى رأس هذه الشروط «العدل».
ويرى مونتيه أن الإسلام ينظر إلى المسيحيين كما ينظر إلى المسلمين جميعهم أهل كتاب وهو يدعو إلى التسامح «لا أكراه في الدين» وقد جاء في القرآن الكريم «لتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا، الذين قالوا: إنا نصارى» والنصارى في البلاد الإسلامية مكرمون معززون، فالقرآن الكريم أوضح لي فهم التاريخ المسيحي، فالمسيحيون الأوائل لم يكونوا بعيدين عن المفهوم الإسلامي ولم يكن المسيح الها.. كذلك لم أؤمن بالأسرار المسيحية الثلاثة واعني بها:
التثليث، والحول، والفداء بالنسبة إلى «الفداء» يقول المسيحيون: إن السيد المسيح فدى بنفسه خطايا بني آدم.. أما في الإسلام فكل إنسان مسؤول عن عمله حتى آدم فإنه حين عصى ربه ثم تاب غفر الله له. لقد آمنت برسالة محمد وأحقيتها، كما آمنت بوحدانية الله، أن محمدا رسول الله حقاً.. والقرآن الكريم موحى به إليه من الله ورسالته ليست قاصرة على العرب وحدهم، وإنما هي للناس كافة.
أما عن الأسباب الاجتماعية التي دفعت فنسان مونتيه لاعتناق الإسلام فهي كما يقول: انتسابي إلى الإسلام يعني أني واحد من هؤلاء الستمئة مليون مسلم في العالم، وإن كنت أسكن وطني فرنسا على مدى ثلاثين سنة تجولت في كثير من بلاد المسلمين حيثما حللت كنت أجد أسلوب الحياة نفسه.
والحرارة الإنسانية ذاتها والعقيدة نفسها وكان الكاتب الفرنسي «لوي ماسينيون» يسمى الإسلام على الصعيد الاجتماعي «كومة المساواة الإلهية».. وكان يري في هذه المجتمعات عنوانا للرجولة، والرغبة في العيش القانع الناسك البسيط، وأنا واحد من هذا المجتمع الكبير القانع.. استطيع أن أعيش على قليل من التمر واللبن.. والممنوعات الإسلامية لا تضايقني فأنا لا أشرب الخمر، ولا أدخن السجائر، وأستطيع أن استغني عن لحم الخنزير.
عقيدة أخرى
ويؤكد فنسان مونتيه أن تخلي المرء عن عقيدة دان بها معظم حياته وينتقل إلى عقيدة أخرى، ولا سيما إذا كانت عقيدة دينية، فان ذلك أمر جلل، وبخاصة إذا كان الإنسان في خريف عمره لقد اخترت بكل فرح واقتناع الإسلام دينا وجعلت العرب والمسلمين أخوة لي في الإسلام.. ولا يعني ذلك انني أتخلى عن جنسيتي الفرنسية إذ لا تناقض بين عقيدتي الإسلامية وجنسيتي الفرنسية..
ففرنسا هي أرضي وأرض أجدادي والبلاد الإسلامية وطني الروحي وهي فؤادي. وعلى جانب آخر يفيد مونتيه مزاعم الحاقدين على الإسلام بقولهم ان الإسلام يؤمن بـ«القدرية» ويعنون بذلك فكرة التوكل ويخلطون بينها وبين «التوكل» و«التواكل» ولو عقلوا الآيات والتعاليم لعلموا أن الإسلام دين العمل والسعي وإن التوكل على الله لا يتناقض والسعي الجاد في الحياة، وإذا كانوا يتهمون الإسلام بالتعصب وانهار سيف الجهاد ضد المعارضين.

