الدعوة قبل القتال وصية الرسول لقادته-أبلى خالد بن الوليد بن المغيرة المتوفى سنة «12هـ ـــ 246 م» بلاءً حسناً في سبيل الدعوة الإسلامية ونشر قول «لا إله إلا الله محمد رسول الله» فقد كان أحد أهم سفراء الإسلام لتبليغ رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم. وكان خالد من أشراف قريش وشهد مع المشركين حروبهم ضد الإسلام حتى اتفاق الحديبية ومن الله عليه بنعمة الإسلام في عام «7 هـ» فأكرمه الرسول صلى الله عليه وسلم وسر بإسلامه وولاه الخيل وأطلق عليه بعد غزوة مؤتة «سيف الله المسلول».
وبعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم واصل خالد الجهاد مع الخليفة الأول أبوبكر الصديق، في حروب المرتدين ثم مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في فتح الشام، ولم يكن اهتمام خالد بالمناصب وإنما بإعلاء كلمة الله، ويتضح ذلك من موقف عمر بن الخطاب منه بعد توليه الخلافة وأمر نتيجة من قيادة الجيش وتوليه أبوعبيدة بن الجراح بدلاً منه. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد بعثه إلى بني الحارث ليدعوهم إلى الإسلام ووضح له كيفية التعامل معهم بأن يأتيهم ثلاثة أيام، ويدعوهم فيها إلى الإسلام فإن أبوا قاتلهم وإن وافقوا على دعوته للإسلام فعليه أن يعلمهم تعاليم الدين من كتاب وسنة. ولما أنهى خالد مهمته بعث برسالة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم، لمحمد النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم من خالد بن الوليد: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد، يا رسول الله صلي الله عليك، فإنك بعثتني إلى بني الحارث بن كعب وأمرتني إذا أتيتهم أن لا أقاتلهم ثلاثة أيام.
وأن أدعوهم إلى الإسلام فإن أسلموا أقمت فيهم وقبلت منهم وعلمتهم تعاليم الإسلام وكتاب الله وسنة نبيه، وإن لم يسلموا قاتلتهم، وإني قدمت عليهم فدعوتهم إلى الإسلام ثلاثة أيام كما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعثت فيهم ركبانا قالوا: يا بني الحارث، أسلموا تسلموا، فأسلموا ولم يقاتلوا وأنا مقيم بين أظهرهم آمرهم بما أمرهم الله به وأنهاهم عما نهاهم الله عنه، وأعلمهم تعاليم الإسلام وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، حتى يكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والسلام عليك يا رسول الله ورحمة الله بركاته».
أما الرسول الكريم، فقد بعث برسالة إلى خالد بن الوليد ردا على رسالته، طالبا منه أن يأتي إلى رسول الله ومعه وفد بني الحارث بن كعب، ليطمئن على إسلامهم، فقال الرسول في رسالته: بسم الله الرحمن الرحيم.. من محمد النبي رسول الله إلى خالد بن الوليد سَلامٌ عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد فإن كتابك جاءني مع رسولك يخْْبرني أن بني الحارث ابن كعب قد أسلموا قبل أن تقاتلهم وأجابوا إلى ما دَعَوْتَهم إليه من الإسلام، وشَهدوا أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنَّ محمداً عبده ورسوله، وأن قد هداهم الله بهُداه فبَشرّهم وأقْبِلْ وليقْبِلْ معك وَفْدُهم، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته».
وعندما وصل كتاب رسول الله إلى خالد، أقبل ومعه وفد بني الحارث بن كعب، منهم قيس بن الحصين ذي الغصة، ويزيد بن عبد المدان، ويزيد بن المحجل، وعبد الله بن قراد الزيادي، وشداد بن عبد الله القناني، وعمرو بن عبد الله الضبابي. فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورآهم قال:
«من هؤلاء القوم الذين كأنهم رجال الهند؟» قيل: يا رسول الله، هؤلاء رجال بني الحارث بن كعب ؛ فلما وقفوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم سلموا عليه وقالوا: نشهد أنك رسول الله وأنه لا إله إلا الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله» ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أنتم الذين إذا زُجروا استقدموا، فسكتوا فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها الثانية فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها الثالثة فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها الرابعة فقال يزيد بن عبد المدان: نعم يا رسول الله، نحن الذين إذا زجروا استقدموا، قالها أربع مرات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أن خالدا لم يكتب إلى أنكم أسلمتم ولم تقاتلوا لألقيت رؤوسكم تحت أقدامكم»؛ فقال يزيد بن عبد المدان: أما والله ما حمدنا خالدا، قال: «فمن حمدتم»؟
قالوا: الله عز وجل الذي هدانا بك يا رسول الله، قال: «صدقتم» ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بم كنتم تغلبون من قاتلكم في الجاهلية»؟ قالوا: لم نكن نغلب أحدا؛ قال: «بلي، قد كنتم تغلبون من قاتلكم» ؛ قالوا: كنا نغلب من قاتلنا يا رسول الله أنا كنا نجتمع ولا نفترق، ولا نبدأ أحدا بظلم، قال: «صدقتم» وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على بني الحارث بن كعب قيس بن الحصين.

