رغم الجهود الكبيرة التي تبذل للوقاية والعلاج من الإدمان، فإن هذه الظاهرة في تزايد مستمر في مختلف دول العالم، وقد أجريت العديد من الأبحاث لمحاولة تحديد حجم المشكلة في أجزاء مختلفة من العالم.
حول دوافع الإدمان وسبل الوقاية منه يقول الأستاذ د. عمر شاهين: لم يتم حتى الآن في مصر دراسات وقائية منظمة عن سوء استخدام العقاقير تسمح بإعطاء إحصاءات دقيقة في هذا الموضوع. وعلى أساس التوقعات الشخصية فإن أكثر العقاقير انتشاراً هو الحشيش ويليه الأفيون بدرجات أقل. وكلا العقارين يستورد من الخارج، وإن كانت بعض الكميات البسيطة من الأفيون تزرع في الصعيد.ورغم أن استخدام الحشيش أكثر انتشاراً، إلا أن الإدمان على الأفيون هو الأكثر خطورة وذلك لجملة أسباب منها: 1ــ إن الاعتماد العضوي يحدث نتيجة للاستخدام المنتظم للأفيون. 2ــ إن الأفيون شديد الفاعلية.3ــ إن الأفيون له عواقب خطيرة على الصحة والحالة الاجتماعية للمدمن.4ــ إنه نظراً لارتفاع ثمنه وندرته، فإن المدمنين يتجهون إلى طلب العلاج. 5ــ إن الحشيش لا يسبب زيادة متتالية في الاحتمال.
6ــ إن الحشيش يستخدم أحياناً وليس بانتظام كما هو الحال في الأفيون.
أما استخدام العقاقير الأخرى كالأمفيتامين والباربيتون فإن استخدامهما أقل.
وكذلك الهيروين وحامض الشارجك، فإن استخدامها في مصر استخدام نادر. وقد افترض أن الاعتماد على العقاقير يحدث مساندة للأفراد الذين يفتقدون المساندة النفسية اللازمة للتغلب على الصراعات الداخلية والإحباطات البيئية وكلاهما مصدر من مصادر القلق.
وقد اقترح جولد أن سوء الاستخدام يبدأ بصراع نفسي ويعمل كعامل مهيئ يؤدي إلى التوتر والقلق. كما أن أحد التأثيرات العقارية للهيروين هو تخفيض القلق.
والافتراض الذي يحاول طرحه في هذا البحث هو أن القلق يلعب دوراً أساسياً في دفع المدمنين إلى استخدام العقاقير المخدرة إلى حد إحداث التعود وإذا ثبت صحة هذا الفرض فإن الجهود التي تبذل لتخفيف القلق في المجتمع ستساعد على التخفيف من مشكلة الإدمان.
ولتحقيق هذا الغرض حددنا الأهداف الآتية:
1ــ تقويم دور القلق والدافع لاستخدام المخدرات أو للعودة إليها.
2ــ تقدير القلق في المدمنين تحت العلاج.
المادة والطريقة:
أ- سئل بعض المدمنين الذين حضروا للعيادة النفسية للعلاج عن السبب الذي دفعهم لاستخدام المخدرات كان عدد هؤلاء المدمنين 648 مدمناً.
ب- اختبر خمسون مدمناً من مدمني الأفيون اختباراً عشوائيا وللبحث عن المواقف المثيرة للقلق التي تعرضوا لها، أجريت لهم الاختبارات النفسية الآتية:
أ- اختبار ميدلسكس
ب- مقياس هاملتون للقلق
ج- مقياس تايلور للقلق الظاهر
وقد استخدمت هذه الاختبارات ثلاث مرات:
أ- قبل بدء العلاج
ب- بعد بدء العلاج وانسحاب العقار من الجسم
ج- بعد شهر من العلاج
برنامج العلاج الذي استخدم كان برنامجاً متعدد الاتجاهات ويشمل العلاجات التالية:
1ــ علاجا طبيا مساندا (مطمئنات وعلاج أعراض)
2ــ علاجا نفسيا مساندا وعلاجا اجتماعيا.
3ــ شرحا لموقف الإسلام من مشكلة الإدمان على المخدرات ومسؤوليات المدمن تجاه نفسه وأسرته ومجتمعه.
وقد توقف بعض المرضى عن العلاج وسموا مجموعة (أ) وقد ضمت عشرين حالة. أما المجموعة الباقية وهي تضم ثلاثين حالة فقد أكملت العلاج وسميت المجموعة (ب). المجموعة(ج) استخدمت كعينة ضابطة مكونة من 40 رجلاً من المترددين على عيادة الإدمان والمصاحبين للمدمنين واشترط ألا يكونوا أقارب للمدمنين، وألا يكونوا هم أنفسهم مدمنين، وقد تأكدنا من الحقيقة الأخيرة بتحليل بولهم.
النتائج:
1ــ دور القلق كدافع لاستخدام المخدرات
اعتمدنا في تأكيد وجود القلق على وجود مؤشرات للأزمات الجسمية والعاطفية والاجتماعية.
وقد تبين من النتائج أن المدمنين غير راضين عن كفاءتهم الجسمية والجنسية وبالإضافة إلى ذلك يمكننا أن نلاحظ وجود مشاكل أسرية بنسبة كبيرة.
2ــ العوامل المحدثة للقلق في جو الأسرة المبكرة من هذا الجدول نلاحظ أن العوامل المحدثة للقلق كانت موجودة لدرجة دالة إحصائياً في مجموعة المدمنين باستثناء العلاقة السيئة مع الأم والسلوك المتقلب مع الأب والعلاقة السيئة مع الأخوة.
وقد كانت العوامل الأكثر حدوثا هي عامل السلوك المتقلب من الأم %72 ثم العلاقة السيئة مع الأب (50%) وذلك إلى درجة أن (16%) من المدمنين كانوا يحسون بكراهية شديدة للأب و76% منهم كانوا يحسون بجور شديد من الأب. كما أن الآباء المدمنين كانوا موجودين في عينة المدمنين بنسبة 68 %. وهذا أمر متوقع، لأن الأب المدمن يشكل مثلاً غير أخلاقي للابن، كما أنه يساعد على إحداث القلق في الجو الأسري نتيجة لسلوكه.
3ــ العوامل المحدثة للقلق في الأسر الصغيرة
من الملاحظ أن كل العوامل التي يتصور أنها محدثة للقلق كانت موجودة لدرجة إحصائية دالة في عينة المدمنين، وكانت أكثر العوامل ظهورا هي المشاكل مع الأصدقاء بنسبة (68%) والاضطرابات في العلاقة الزوجية دخلا في ذلك العلاقات الجنسية وذلك بنسبة (66%) والمشاكل الأخرى مع الزوجة بنسبة (50%) يتم الطلاق بنسبة (4 2%) وكبر حجم الأسرة. أسرة لها أكثر من أربعة أطفال بنسبة (58%). كما نلاحظ أن المدمنين جاءوا هم أنفسهم من أسر كبيرة الحجم وذلك بنسبة (52%) من الحالات مقارنين في ذلك بأفراد العينة الضابطة الذين جاءوا من اسر كبيرة الحجم في 5. 22% من الحالات.
ونلاحظ أن المدمنين أقل تديناً كما يلاحظ من انخفاض معدل أدائهم للطقوس الدينية كالصلاة والصيام. ولا نستطيع أن نجزم هل هذا الانخفاض في التدين هو سبب الإدمان أم أنه نتيجة للإدمان. وإن كان على كل حال دليلاً مؤكداً على انخفاض مستوى الأمن النفسي وزيادة معدل القلق النفسي.
وقد لاحظنا في بحث آخر نفس الظاهرة في آباء وأمهات المدمنين. وعلى هذا فإن الدين والإيمان من الممكن أن يلعبا دوراً أساسياً في الوقاية من الإدمان.
4ــ العوامل المحدثة للقلق في العمل إن غالبية المدمنين قد بدأوا العمل في سن مبكر (قبل سن العشرين) وقد تحقق ذلك في (90%) من الحالات. ولعل هذا أتاح فرصة للصغار من العمال للاحتكاك بالعمال الأكبر سنا الذين مارسوا الإدمان، الأمر الذي يتيح لهم فرصة تقليدهم.
كما أن وفرة المال بين أيديهم نتيجة للعمل قد تكون عاملاً مشجعاً على الإدمان. كما أننا نلاحظ أن عدم الرضا عن طبيعة العمل عامل متوفر في حوالي (40%) من المدمنين.
5ــ القلق كمسبب لفشل العلاج
لوحظ أن العوامل المسببة للقلق كانت وراء الانتكاس والعودة للإدمان بعد العلاج، وأهم هذه العوامل هو عدم احتمال العوارض الجانبية للإقلاع وذلك بنسبة (3%) من الحالات وعدم الثقة في العلاج بنسبة (30%) والأزمات العاطفية بنسبة (16 %) والمشاكل الأسرية في (16%) من الحالات.
القلق السريري لدى المدمنين
عند فحص المدمنين سريرياً لوحظ أن 60% يبدون أعراضا مختلفة للقلق النفسي. وكان القلق المتوسط هو الأكثر في مجموعة المدمنين المصابين بالقلق كما لوحظ انخفاض القلق بعد العلاج ليظهر في 50% فقط من المدمنين كما انخفض معدل القلق المتوسط ليزيد معدل القلق البسيط.من النتائج على اختبار ميدلسكس نلاحظ ما يلي:
1ــ ارتفع تسجيل المدمنين عن الحد الطبيعي على مقاييس القلق والأعراض الجسمية والهستيريا وقد وصل من سجلوا إلى المستوى المرضى على مقياس القلق (64%) من المجموعة المدمنة.
2ــ لوحظ أن المجموعة (ب) التي استمرت في العلاج سجلت مستويات أعلى على مقياس القلق أكثر من المجموعة (أ) التي انقطعت عن العلاج وإن كان كل من المجموعتين كان تسجيلهما أعلى على هذا المقياس من العينة الضابطة وذلك لدرجة إحصائية دالة.
3ــ زادت معدلات القلق في الفترة الانسحابية لتقل بعد العلاج. وعلى مقياس «هاملتون» للقلق فان متوسط تسجيل عينة القلق كانت 4.26 أي لدرجة تصل إلى حد القلق المرضي ومن بين أفراد العينة فان من وصلوا إلى درجة القلق المرضي كانوا 46 % من العينة.
وعلى مقياس «تايلور» فان متوسط العينة قد وصل إلى حد القلق المرضي أيضاً، إذ أنه كان 44، 26 ووصل 64% من أفراد العينة إلى حد القلق المرضي وفي المجموعة (ب) فإن المتوسطات على هذه المقاييس للقلق أدرت قلقا مرضيا قبل العلاج ثم زادت في فترة الانسحاب لينخفض القلق بعد العلاج. فلم يسجل قلقا مرضيا بعد العلاج سوى 33% من العينة على مقياس «هاملتون» و. 4% على مقياس تايلور.
المناقشة
لقد تمت دراسة الاختلافات بين العينة والعينة الضابطة بالاختبارات النفسية الآتية:
1ــ مقياس ميدلسكس
3ــ مقياس هاملتون للقلق
4ــ مقياس تايلور للقلق
وقد أثبتت النتائج ارتفاع معدلات القلق بصورة ذات دلالة إحصائية في المدمنين مقارنين بالعينة الضابطة. وقد وجد أن المدمنين يعانون من مظاهر عصابية مختلفة كما استدل على ذلــك مــن تسجيـلهم عــلى مقيـاس ميدلسكس فنجد أن 36% منهم سجلوا معدلا عاليا على مقياس الاكتئاب و2% على مقياس المخاوف و 1% على مقياس الوساس و48 % على مقياس الهستيريا. في حين أن الذين سجلوا معدلات عالية من العينة الضابطة كانت نسبتهم بالتالي 125/ و 10% و 10% و 30%
و 5،12%.
وقد أكد الكثير من الناحيتين أن المدمنين يعانون من القلق. فقد وجد أن مستخدمي الحشيش المدمنين يبدون أعراضاً قلقية اختبرت من مقياس تايلور للقلق وقد اتفق غالبية الباحثين على أن القلق يدفع لاستخدام العقاقير المحدثة للإدمان.

