الشيخ عبدالعزيز الرشيد، اسم مضيء في مطلع حركة النهضة الحديثة في الكويت ومنطقة الخليج وغيرها.كان كاتبا وشاعرا، صاحب كلمة وموقف، حشد فكره ووقف جهده وحياته لإيقاظ العقول من سباتها الطويل، متخذا سبيل العمل بالتعليم، والدعوة والارشاد، والصحافة، لا في الكويت وحدها، وإنما تجاوز حدودها، وحدود الخليج، إلى آفاق بعيدة جدا، فكان بحق داعية رائدا وأديبا.. بلا حدود.

في بداية القرن الرابع عشر الهجري، عام 1887 الميلادي، ولد عبدالعزيز الرشيد، في أسرة مرموقة تعمل بالتجارة، وتلقى تعليمه الأولي في الكتاب: القرآن الكريم والكتابة والحساب، ثم اشتغل بالتجارة، لكنه ما لبث أن شغف بطلب العلم، فدرس على بعض الشيوخ في الكويت شيئا من الفقه والعقائد واللغة تم تطلعت نفسه إلى مواصلة الدراسة خارج الكويت رغم مقاومة أهله لذلك، لكنه تمكن من السفر وبدأ رحلته الحافلة في الحياة.

والحق أن رحلة حياة الشيخ عبدالعزيز الرشيد، كانت رحلة بلا حدود، سواء في مرحلة الطلب، أو في مرحلة العطاء. ففي مرحلة الطلب، بدأ بالارتحال إلى مدينة الزبير، من أعمال البصرة، حيث استزاد من علوم الفقه والفرائض والنحو.ومن الزبير قصد الإحساء، ثم سافر إلى بغداد سنة 1911، حيث ازداد علما في اللغة.

وطمحت نفسه أكثر فرحل إلى مصر، ولم يتيسر له الاستقرار، فغادرها إلى البلاد المقدسة فأدى فريضة الحج، ثم ألقى عصا التسيار في المدينة المنورة، فأكمل فيها بعض ما تعلم من الفقه والحديث.وفي المدينة بدأت مرحلة العطاء، حيث رغب اتباع المذهب الحنبلي - مذهبه - اسناد وظيفة الافتاء إليه، فحالت منافسة بعضهم دون ذلك، فعين مدرسا في الحرم الشريف، ثم رحل مكة المكرمة، وبعد نحو عامين في الحجاز غلبه الحنين إلى الترحال، فانتقل إلى الاحساء، ثم شد الرحال إلى الآستانة، عاصمة الخلافة التي كانت رحابها تضم صفوة من رجال العلم والدين والأدب من مختلف أقطار الدولة.

وفي الآستانة كان لقاؤه الفارق في فكره وحياته بالشيخ محمد رشيد رضا، تلميذ الأفغاني والامام محمد عبده، والذي نصحه بالتوجه إلى مصر الغنية بمناهل العلم وأهله، وعلى رأسها الأزهر الشريف. وأطاع أستاذه، وقصد مصر حيث ارتاد حلقات الأزهر، وأخذ عن العلماء والمفكرين في مجالسهم وفي محاضراتهم وكتبهم وصحفهم، واكتسب خبرة ومعرفة غنية، وتاقت نفسه إلى أن يرى مثل نهضة مصر في وطنه الكويت.في عام 1917 عاد عبدالعزيز الرشيد إلى الكويت، انسانا جديدا مختلفا عما عرفته قبل سفره إلى الآستانة والقاهرة.

كان قبل سفره متأثرا بالبيئة الفكرية المتزمتة التي نشأ وتعلم فيها، فكان مجافيا ومناهضا لكل ما جاء به العصر الحديث، من تعليم العلوم الحديثة، إلى تعليم اللغات الأجنبية، إلى تعليم البنات، إلى مطالعة الصحف والمجلات ووصل ـــ مثلا ـــ إلى حد تأليف كتاب طبعه في بغداد يعارض فيه أفكار الشاعر العراقي معروف الرصاغ في قصيدته الشهيرة عن تعليم المرأة التي مطلعها:

هي الأخلاق تنبت كالنبات

إذا سقيت بماء المكرمات

ولكنه عندما عاد من القاهرة، كان قد نهل واستمد ممن درس على أيديهم، أو تعرف إليهم وصاحبهم من العلماء والكتاب والصحفيين والأدباء، استنارة في الفكر، وروحا مفعمة بالرغبة في الإصلاح الديني والاجتماعي والثقافي.

في الكويت، بدأت مرحلة العطاء بعمله في التعليم: مديرا للمدرسة «المباركية» ومعلما فيها، ثم أنشأ مع بعض اخوانه مدرسة جديدة هي «العامرية»، ثم كلفه أمير الكويت بأن يكون الواعظ في مجلسه، واختاره عضوا في مجلس الشورى.

وهكذا لم يكن رجل كلام فحسب، وإنما رجل عمل أيضا، وحينما وقعت حادثة «الجهرة» عام 1920، كان الشيخ عبدالعزيز الرشيد ممن شهدوها، وجرح فيها. ومن اعماله في تلك الفترة سعيه في تأسيس المدرسة «الاحمدية» عام 1921 وتدريسه فيها، وتأسيسه للنادي الأدبي عام 1923 وإلقائه أول محاضرة فيه. وقد توج أعماله بمبادرته الرائدة في تاريخ الكويت والخليج، وهي إنشاؤه لمجلته «الكويت»، رائدة الصحافة في الخليج كله، التي صدر عددها الأول في فبراير عام 1928، والتي قال فيها الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة، شيخ الأدباء ورائد النهضة الثقافية في البحرين، عندما وصل إليه عددها الأول: «... فيا أيها الصديق، إني أهنيك وأهنئ نفسي معك بظهور مجلة الكويت، حالية بالأبحاث المفيدة، والمواضيع السديدة. ولا عجب، فالمجلة نتيجة مقدمات صادقة، وثمرة جهود سابقة، فهي تبشر بفجر يقظة، ونهضة بعد غفلة وهجعة، فعسى رجال الأمة العربية من سكان ساحل الخليج أن يقدروها، فيجنوا من ثمرها في كل حين ما يجمع لهم بين اللذة والفائدة، وهي الكفيلة لهم بتنبيه النائم،وتذكير الغافل، وتنشيط الكاسل، وإنارة الطريق للمجد العامل. ومن نظر بعين بصيرته لمجلة الكويت حكم لها بالنجاح والفلاح، لأن الفراغ الذي تقوم بسده في المحيط ضروري، وفي حاجة إلى أمثالها..».

لم يكن طريق الشيخ عبدالعزيز الرشيد سهلا مفروشاً بالورود، وإنما كان مملوءا بالعقبات والمعوقات والمنغصات، ووصل الأمر إلى حد اتهامه بالمروق، والتحريض على قتله، وكانت سنوات عطائه في الكويت جهاداً مضنيا.

وقد شكا إلى صديقه شاعر البحرين ونابغتها عبدالله الزائد ما يعاني، فقال:

أيها السيد إني في عنا

من مداراة جهول أرذل

إن أقل حقا، تراه مغضبا

وتراه مصغيا للعذل

وتراه دائما من جهله

ضاربا رأس الهدى بالمعول

حالة منها المعالي زعزعت

وبها دين الهدى في مشكل

ويرد عليه عبدالله الزائد مواسيا ومصبرا:

أيهذا الشهم مزقت الحشا

بشكاة من جهول أرذل

قل سلاما، ثم أعرض عنهم

جهلهم راميهم في المقتل

لا تحاذر من خيال زائل

إنهم من عمرهم في الأرذل

إن أدوار الورى دائرة

في ارتقاء رغم قطب أو ولى

ظلت مجلة الكويت مدة عامين تصدر من الكويت، وتطبع في القاهرة، ثم راحت تصدر من البحرين، متضمنة ألوانا شتى من الثقافة والمعارف: في الدين والأخلاق، وفي التاريخ والتراجم، وفي الأدب واللغة، وفي العلوم والطرائف. وزانت صفحاتها أسماء أعلام بارزين من أدباء وكتاب الكويت والبحرين وعمان، وغيرهم من أساطين الفكر في الوطن العربي، كالأمير شكيب أرسلان، والشيخ عبدالقادر المغربي، والأستاذ محمد علي الطاهر.

ويضيق صدر الشيخ عبدالعزيز الرشيد بالأجواء المظلمة حوله، وتتراكم العقبات والعوائق في طريقه وطريق مجلته، فيعاوده بإلحاح هاجس الترحال القديم، فيشد الرحال إلى رحاب أصدقائه في البحرين، ويواصل إصدار مجلته فيها. لكنه ما لبث أن ارتحل إلى الحجاز في ضيافة الملك عبدالعزيز ومن مكة المكرمة، كتب إلى صديقه الحاني في البحرين الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة، ينبئه بأخباره: «... وصلت مكة المكرمة، ولقيت فيها من حفاوة وإكرام صاحب الجلالة ما أنساني بعض ما كنت أقاسيه من بعدكم. ولقد كنت عند جلالته في أعز مكان وفي أرفع منزلة. فمنزلي بجانب قصره، والفنجان الثاني بعد جلالته وجدته موجها في الغالب إلي. وقد أظهر جلالته أخيراً رغبته في سفري إلى جاوة..».

صادف التكليف الملكي هوى الشيخ عبدالعزيز، وشغفه بالترحال بلا حدود، فسافر إلى اندونيسيا، بهدف الدعوة وإرشاد المسلمين هناك بصحيح دينهم الذي كانت تتهدده الدعوة البهائية المشبوهة. وفي اندونيسيا، أشبعت روحه رسالته الجليلة، في الدعوة ونشر اللغة العربية، وطاب له المقام، وسجل له التاريخ صفحة مضيئة من سفر دور الرواد العرب العظيم في منطقة جنوب شرق آسيا.

ولم ينس رائد الصحافة الخليجية هاجسه الأثير، فأصدر مع الرحالة العراقي الذي كان موجوداً هناك يونس بحري مجلة باسم «الكويت والعراقي». إضافة إلى إنشائه مدرسة لشرح تعاليم الإسلام الصافية، ونشر اللغة العربية، فتوج بذلك حصاداً قيما من العطاء المستنير الرائد في مسيرة النهضة في الكويت وفي الخليج، من أبرز ثماره كتابه الرائد في جزئين: «تاريخ الكويت»، الذي تضمن أحوال الكويت السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ثم تاريخها الأدبي الذي عدد فيه شعراءها وعلماءها.

في عام 1358 الهجري، 1939 الميلادي، قضى الشيخ عبدالعزيز الثعالبي نحبه، وضمه ثرى جاوة، مخلفاً غرسه الطيب، مسلمين مستنيرين تكاثروا من بعده، ولغة عربية انتشرت بينهم، وأبناء وأحفاداً لا يزالون هناك، وسيرة عطرة لنموذج نبيل للداعية والصحفي والمعلم والشاعر والأديب.. بلا حدود.

عبدالوهاب قتاية