غزارة الصور التي اختزلها سميح الباشا على مدى 46 عاما من عمره قضاها متنقلا في إمارات الدولة منذ حطت به الطائرة في دبي في الخامس من أكتوبر عام 1962 وضعتنا في قلب أعظم مرحلة في تاريخ الإمارات تلك التي شهدت أحداثا مفصلية شكلت وجه الإمارات الحالي، ولم يدر في خلد ضيفنا آنذاك انه ولج توا كما يقول أعظم وأخطر منعطف في حياته ويكمن في سيرة عمره في الدولة وكل أمله وهو ضيف على باب الإمارات في عيونهم أن يستطيع تلخيص صور التطور الحياتي من كل جوانبه في هذه العجالة.
الباشا قال: الذكريات التي تعيش في وجداني كثيرة ومدهشة خاصة انني عاصرت ما يمكن اعتباره الأهم في تاريخ الدولة التي اعتقد إن التعبير عما يخالجني من مشاعر عنها في عيوني طلب سهل ممتنع وذلك لكثرة ما شاهدت و عايشت على مدى 46 عاما من عمري، وعيوني لم تحتضن فيها غير دولة الإمارات وعلمها وشعبها إلا فترات قصيرة هي تلك التي قضيتها في إجازاتي بالخارج عندما كان الحال يسمح بذلك.وأضاف الباشا: خدمت الإمارات باختياري الكامل حيث كنت اعمل في سلك التعليم في دولة الكويت وعرض علي الابتعاث إلى ساحل عمان «دولة الإمارات حاليا» وقد بين لنا وكيل وزارة التربية والتعليم الكويتية آنذاك في مقابلة أجراها للمبتعثين حدودا مهمة للمبتعثين مركزا على الجانب القومي.
مؤكدا انه لم يتردد في القبول رغم كل المصاعب التي توقع أن يواجهها في بقعة لا يعرف عنها شيئا والمجهول الذي ينتظره مدفوعا ومتحمسا لخدمة أبناء قومه الذين حيل بينهم وبين التواصل مع أبناء أمتهم العربية ووطنهم الكبير بفعل السيطرة الأجنبية في ذلك الوقت.وأشار وهو يستعرض شريط ذكرياته انه بعد أربعة عقود ونيف من الزمن من ذلك الاختيار الذي اتخذه لم يندم مطلقا ويعتريه الفخر بالدور الذي قام به فيما مضى من عمره الذي صرفه فيما رغب وعلى من أحبب ولو أتيح له على حد قوله الاختيار من جديد لما تجاوز خياره الأول قيد أنملة لأن رسالة المعلم والعلم من وجهة نظره إذا ما أديت على وجهها الموضوعي الصحيح لا يوازيها إلا رسالة الرسل والأنبياء لأن رسالة العلم ورسالة الأنبياء ذات هدف واحد.
وهو بناء الرجال ذوي الفكر المستنير والخلق القويم والمبادئ السامية الإنسانية فالسرور الذي ينتاب المعلم وهو يرى جل طلابه رجالا في أعلى المناصب فخرا لوطنهم يفخر ويشعر بسعادة لا يعرفها إلا الأب الذي نجح في تربية أبنائه وقرت عينه بهم وهذا شعور عظيم لا يعرفه إلا من عاشه وعايشه.
وركز في حديثه عن أيام الزمن الجميل على صور التطور الحياتي من كل جوانبه وركز على الإيجابيات وهي كثيرة، أما السلبيات فكانت قليلة متأملا أن تبقى كذلك، مضيفا والحقيقة انه لو لم تكن الأسس الإيجابية هي الغالبة في مجتمع الإمارات لما عايشنا أوجه التقدم الحضاري الذي تحقق في هذا الجزء من وطننا العربي الحبيب الذي أصبح مصدر تفاخر لكل العرب .
وقال إن أول الملاحظات التي أدهشته والظواهر الاجتماعية التي كانت في ذلك الزمن هي طبيعة العلاقة بين الحاكم والشعب وهي علاقة أبوية كاملة فباب الشيخ مفتوح طيلة النهار كما يبرز للمواطنين أمام الحصن كل يوم بعد صلاة العصر فيقابله من يريد دون أي تعقيدات مما عكس علاقة الشفافية في الحوار الذي امتاز بالعفوية والطيبة والتفهم والصراحة والحب.
كما لفت انتباهي عمق انتماء الشعب لعروبته حتى انني فوجئت عندما رأيت رجال إمارة أم القيوين التي كنت اعمل بها وعلى رأسها شيوخ يخرجون في جنازة رمزية للزعيم الراحل جمال عبد الناصر، كما تلمست عمق عروبتهم، اذ يقولون بعفوية بدلا من ذهب الناس أو جاء الناس؛ ذهب العرب وجاء العرب وهذا انتماء لم تصنعه راديوهات الترانزيستور من وجهة نظري.
وقال لا يفوتني من الذكريات الجميلة والانطباعات الرائعة أن اذكر حرص مجتمع الإمارات على التقاليد الإسلامية والعربية والتعلق بها والإيمان العميق بالعقيدة الإسلامية وممارساتها إضافة إلى حب العلم والحرص على اكتسابه وتوفير ما في الطاقة ليقوم المعلمون بعملهم وإشعارهم بذاتهم وأهميتهم في كل مناسبة وقيام الحكام بمتابعة جهود المعلمين وتقديرها وكذلك المواطنون وهذه حقيقة متمثلة في حب العلم و الحرص على اكتسابه كبارا وصغارا ولولا تقدم العلم لما تقدمت الدولة ولما وجدت العناصر المواطنة المؤهلة التي وقع على عاتقها بناء وتثبيت أركان الدولة عند إنشائها.
ومن الأمور المهمة التي عايشها واستمتع بها سمة التكافل والأمانة بين المواطنين ونجدتهم لبعضهم البعض فمثلا إذا ما أريد سحب مركب من الماء إلى اليابسة أو بالعكس تداعى الجميع لبذل الجهد لإنجاز ذلك ودون أي اجر أو مقابل وكذلك في حال وقوع أي حريق في يوم عاصف هب الجميع للسيطرة عليه ومساعدة أصحاب البيت في بناء ما تهدم وما احترق .
وأيضا إعطاء النقود للتجار المتوجهين للهند من قبل الناس على أساس المساهمة في رأس المال واستيفاء العائد من الأرباح بنسبة ما ساهموا به عند عودة التاجر وكل ذلك يتم دون صكوك بل معاملة قائمة على الثقة حيث يقوم التاجر بتوزيع الربح إذا حصل بمنتهى الأمانة والعدل ويتقبل الناس المساهمون كل ذلك بمنتهى الرضا.
وأكد الباشا الذي تقاعد عن العمل في سلك التدريس بعد أن أصبح مديرا لمدرسة الأمير الثانوية في أم القيوين ان من الانطباعات التي لم تطوها الأيام احترام المواطنين لبعضهم البعض بحيث انه قال لم اشهد في حياتي مشاجرة أو تبادلا للشتائم علنا مع انني لم أكن منعزلا عن المواطنين لدرجة انني مارست الصيد الجماعي معهم واستمعت لأناشيدهم التي ينشدونها في البر والبحر «الشلات» وكذلك الشعر العربي والنبطي كما لم اسمع أبدا بآراء متطرفة من أي منهم بل سادت صفة التسامح مع بعضهم البعض وكذلك اتجاه أولئك الذين لا يشاركونهم في الدين والتقاليد.
وأضاف هذه أهم الأسس التي كانت في مجتمع الإمارات واعتقد أن المحظوظ وحده من عايشها وهي أسس تجمع بين الحرية والديمقراطية والتكافل والاحترام والأفق الواسع وعدم التحجر بل المرونة في التعامل مع المتغيرات في جميع الحقول والاهتمام بالعلم والتكنولوجيا والبحوث وعدم الخوف مما هو جديد بل التعامل معه بعد داسته دراسة وافية وبطريقة انتقائية بما يتناسب وطموحات الدولة ومصالح شعبها مشيرا إلى أن هذه العناصر الإيجابية هي السبب الرئيسي فيما وصلت إليه الإمارات من تقدم في هذا الزمن القصير نسبيا إذا ما قيست بعمر الدول الأخرى.
واستعرض الباشا سيرة حياته العملية فقال: بدأت حياتي مدرسا لمادة التاريخ والجغرافيا في رأس الخيمة من عام 1964 ولمدة عام واحد ثم انتقلت للعمل في إمارة أم القيوين ثم إمارة دبي من العام 1966 وحتى 1969 ومن العام 1969 وحتى 1999 ولمدة ثلاثين عاما عدت إلى أم القيوين .
حيث تدرجت من معلم لمادة التاريخ والجغرافيا ثم وكيل وتقاعدت وأنا مدير مدرسة الأمير الثانوية وقد تتلمذ على يدي أنجال صاحب السمو الشيخ راشد بن أحمد المعلا حاكم إمارة أم القيوين وكان صاحب السمو الحاكم آنذاك وليا للعهد ومن الأمور التي كانت تثيرني حد الدهشة انه دائما كان شديد الحرص والتأكيد على أن تتم معاملة أبنائه أسوة بزملائهم دون تمييز أو تفرقة.
وقال إن الاهتمام بالتعليم سابقا والانكباب على النهل من منبعه كان كبيرا جدا خاصة وان الأهالي كانت تنظر إلى العلم على انه حبل الحياة وطوق النجاة للتغلب على صعوبة الحياة فكانوا يهتمون بالعلم وتدريس أبنائهم مهما كلفهم الأمر من مشقة.
وكان الشيوخ في كل إمارة يخصصون سيارة لمدير المدرسة ليطوف بها أرجاء المنطقة لجمع الطلبة المتسربين أو المتمارضين وكانت عقوبة من يمنع ابنه عن مواصلة تعليمه السجن، مشيرا إلى ان السنة الدراسية سابقا كانت تبدأ في 15 سبتمبر وتنتهي في 15 مايو دون وجود أي عطلة تسمى بالربيع وكانت أعداد الطلبة اقل وإقبالهم على العلم أكثر، لكن في الوقت الحالي التعليم أصبح أكثر تطورا.
حيث أصبحت التقنيات متاحة للجميع اضافة إلى الدورات والبعثات وافتتاح مؤسسات التعليم العالي والانفتاح على العالم إلا أن القابلية للعلم باتت اقل والحماسة في التعلم والتثقف ليست كبيرة.
ويتحدث سميح الباشا عن احد المواقف التي لا تبارح ذاكرته عندما كان جالسا مع صاحب السمو حاكم إمارة أم القيوين الذي سأله مستغربا كيف يمنح احد أبنائه علامة ناجح في مادة الجغرافيا في الوقت الذي كانت إجاباته مليئة بالأخطاء الإملائية فقلت له:
يا طويل العمر ما يهمني هو المعلومة بالدرجة الأولى فإذا كتب لي الأرض كروية أو كرة فأنا آخذ بالمعلومة وقد أعجبني في ذلك الموقف انه رغم مشاغله كحاكم الا انه يتابع امتحانات أبنائه الشهرية ويدقق في الأسئلة والإجابات ولا يمر عليها مرور الكرام وهي قصة أصبحت ارددها على أطفالي وطلابي ليأخذوا منها العبرة.
وقال انه عاصر منعطفا تاريخيا وعلامة بارزة في اتجاه العمل الوحدوي بعد اعلان اتحاد دولة الإمارات على يد المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، مشيرا إلى انها كانت بداية لنهضة شاملة بكل المقاييس فقد ترك الاتحاد بصمات واضحة على مسيرة التنمية الشاملة التي بدأها المغفور له بإذن الله لإرساء دعائم الدولة الحديثة وإعلاء صرح الدولة الاتحادية وما وصلت إليه البلاد ما هو إلا ثمرة من ثمار الاتحاد وافتخر كوني شهدت هذا الحدث العظيم والتجرية الوحدوية الوحيدة التي نجحت في الوطن العربي.
ولم يغفل سميح الباشا تناول أجواء رمضان في الماضي، مؤكدا انه رغم حرارة الطقس وصعوبة العيش إلا أن الشهر الكريم كان الأكثر جمالا وخصوصية بالنسبة للمسلمين لاسيما ان بعض العادات والممارسات الجميلة مستمرة الى الآن ومنها الافطار الجماعي الذي كان يضم رجال الفريج أو الحي.
حيث يجلب كل واحد ما من الله به عليه من طعام ليتحلقوا بانتظار مدفع الإفطار في مشهد مهيب، مشيرا إلى ان رمضان يمتاز بأجواء روحانية فكان الكل يلتقي بالمسجد لتأدية صلاة التراويح وقراءة القرءان لساعات طويلة كانت تمتد حتى ساعات الصباح الأولى لاسيما في العشر الأواخر من رمضان معتبرا أن رمضان في الوقت الراهن لا يجمع العائلات كما كان سابقا بل أصبح الكل مهتما في العودة إلى المنزل ومتابعة كم البرامج التي تحشدها الفضائيات لشهر رمضان.
نورا الأمير


