لست أعرف على وجه الدقة إلى أي مرحلة زمنية ينتمي إنجاز مسجد المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في رأس الخيمة، لكنني أحسب أن الانتهاء منه يرجع، بشكل أو بآخر، إلى المرحلة التي سبقت إطلالة الألفية الثالثة أو أعقبتها مباشرة.
ما يدعوني إلى هذا الاعتقاد هو أن هذا المسجد الجامع تكاملت له تلك العناصر والمقومات التي تدعونا إلى الاعتقاد بأننا أمام عزف بارع على أوتار الذاكرة البصرية، التي وعت مقومات بعينها ترتبط بصورة المسجد في الذاكرة الجمعية لدى المسلمين في مختلف أرجاء الأرض.شأن عدد كبير من مساجد أبوظبي والعين، إننا هنا أمام كتلة معمارية شديد البهاء والقوة والرسوخ، توحي بالتماهي مع بيئتها والانفصال عنها في آن.الانفصال هنا يعني أنها تملك ذلك البعد والنأي عن النسيج الحضري، الذي يتيح لك تأمل هذه الكتلة، وأنت تقترب منها، لتجد أنها تؤطرها أربع مآذن تعكس تناسباً مدهشاً معها، وتستقر في بؤرة النظرة قبة بصلية مرتفعة، تنفرد عن الكثير من قباب مساجد العين وأبوظبي بزخارفها الهندسية المتعرجة.
هذه المآذن، ببدنها الناهض مربعاً، ومن ثم مثمناً، ودائرياً عبر شرفة بهية الزخارف، ثم من خلال شرفة أصغر، تمتد مرتفعة على أعمدة رشيقة تتوجها سلطانية تعلوها قمة كروية تحمل الهلال التقليدي، فلا تجد نفسك وأنت تتأملها إلا وقد غدوت حائراً حيال ميراث ألف عام من تراكم إبداع البنائين المسلمين المهرة من الأندلس إلى الصين.لاحظ أيضاً أن هذا المسجد من المساجد القليلة التي تكتسي في خارجها بمشروع زخرفي بديع من الأحجار التي تجمع بين الجمال والقدرة على احتمال درجات الحرارة والرطوبة العالية، وهو مشروع يوحي بالجرأة والاقتدار.
إذا اجتزت المدخل الرئيسي للمسجد بتصميمه الفخم، المترف، المرتفع الذي يجتذبك بتنويعه على الأعمدة الرشيقة والعقود الحدوية وحشوات الخط البديعة وتوظيفه المدهش للخشب في الباب، والذي سنراه يتكرر في أجزاء شتى من المسجد، بما في ذلك حائط القبلة، فإنك ستتوقف أمام بيت الصلاة الرحب، الذي تنهل إليه الإضاءة الطبيعية من الشبابيك والفتحات والكوى، بما في ذلك الكوى المتقاربة في رقبة القبة التي تبدو كما لو كانت قد وجدت خصيصاً لإضاءة الحشوة الدائرية الواقعة أسفلها مباشرة التي تضم آيات من الذكر الحكيم.
خلافاً لما تتوقع، فلن تجد وزرة مرتفعة تؤطر أسفل جدران قاعة الصلاة، لكنك بالمقابل ستجتذبك الأعمدة السامعة التي ترفع السقف عبر تيجانها وعقودها المستقيمة.
في حائط القبلة، سيعمد المعماري الى حل بارع لمشكلة تناسب المحراب مع القامة البشرية، حيث نجد أنفسنا أمام إطار من الزخارف الهندسية يضم حشوة خطية مستقيمة، أسفلها إطار هندسي آخر ينقلنا بدوره إلى المحراب بزخارفه الخضراء المترفة، على حين يستقر المنبر غير بعيد عنه، ومن دون إسراف ولا مبالغة، كما هي الحال في معظم منابر الإمارات.
كامل يوسف- تصوير: محمد حنيف



