ارتباطها بالأطفال جعلها تتجه لتتخصص في أحد فروع الطب المعني بهم حتى تضمن لهم مستقبلاً حياة صحية سليمة.. ورغم أن تخصصها ينفر منه الكبار ولا يفضلون زيارة الطبيب المختص له إلا عند الحاجة الملحة، فما بالنا بالأطفال عند تواجدهم في المستشفى أو العيادة التي سرعان ما تنقلب إلى ساحة للصراخ والبكاء نتيجة الخوف الذي يمتلكهم، إلا أن الدكتورة الإماراتية خديجة السويدي في مستشفى راشد ارتأت ضرورة أن تكون إحدى طبيبات «طب أسنان الأطفال» الذي يختلف في طرقه ووسائله ودراسته تماماً عن طب الأسنان العام.
لذلك حاورناها لتوضح لنا مفهوم هذا التخصص، والعقبات التي تواجهها لحظة تواجد الطفل في المستشفى أو العيادة، وأبرز الوسائل التي تعتمد على اتباعها حتى تخفف من حدة الخوف والقلق الذي ينتابه.* ما الأسباب التي دفعتك للتخصص في طب أسنان الأطفال؟ ــ بعد تخرجي من الثانوية حصلت على بعثة دراسية إلى الأردن في جامعة العلوم والتكنولوجيا وحصلت على بكالوريوس في طب وجراحة الفم والأسنان عام 99 19، وبعد رجوعي للدولة عملت مباشرة في دائرة الصحة بدبي في مركز الأسنان بمستشفى راشد لمدة أربع سنوات ولاحظت خلال هذه الفترة أن أكثر من 50 % من مرضى المركز من الأطفال ويعانون بشكل كبير من التسوس مقارنة بالدول الأخرى.
إضافة إلى شعوري بأن نوعية الخدمات التي تقدم للطفل من الناحية العلاجية عادية كالطرق المتبعة عند الشخص الكبير الأمر الذي دفعني للتوجه إلى إحدى جامعات لندن للتخصص في طب أسنان الأطفال من عمر 6 أشهر إلى 13 سنة بهدف تحسين مستوى الرعاية العلاجية والعمل على المحافظة بالأسنان منذ الصغر ومساعدتهم على أن تكون الأسنان سليمة تؤدي مستقبلا إلى التقليل من التكاليف العلاجية لاسيما أن معالجتها مرتفعة التكاليف، إضافة إلى أن الهدف الآخر من التخصص هو توعية الأهالي بشكل أكبر لمعالجة أسنان أبنائهم وخاصة ان الأغلبية الكبيرة منهم يعتقدون أن سقوط الأسنان في البداية أمر عادي سيخرج له البديل إلا أن هذه النظرة خاطئة لأن الأهم هو كيفية المحافظة على السن واخذ الزمن الطبيعي قبل سقوطه. * ما أهمية التخصص في طب أسنان الأطفال؟
ــ تعتبر أسنان الأطفال هي الأساس لبناء مستقبل صحي سليم عند الكبر، والكل على دراية بأن أغلبية الناس كبارا كانوا أم صغارا يمتلكهم تخوف كبير من زيارة طبيب الأسنان لذلك فإن تواجد طبيب مختص لأسنان الأطفال له أهمية كبيرة فبجانب دراسته العملية التطبيقية سيتناول كذلك دراسة علم نفس الطفل من ناحية تحديد شخصية الطفل والطرق الأفضل للتعامل معه على حسب الشخصية، فدراستي ساعدتني على أن نجعل الطفل يرغب في زيارة طبيب الأسنان موعدا محببا للطفل دون أن يهرب. * ما الوسائل والطرق التي تتبعينها لحظة وصول الطفل إلى المستشفى أو العيادة الخاصة؟ ــ أتبع طريقة معينة لحظة وصول الطفل وهو أن أجعل الزيارة الأولى له ايجابية خاصة ان معظم الأطفال ليس لديهم خبرة أو فكرة في كيفية عمل طبيب الأسنان ومنهم من يمتلك خلفية خاطئة عن طبيب الأسنان فيمتلكه الخوف الذي في كثير من الأحيان يكون انعكاس تخوف الأهالي أنفسهم من طبيب الأسنان.
فاللحد من هذه المشكلة أعمل على أن تكون سياستي خلال الزيارة الأولى محاولة الربط بين العلاج والمتعة واللعب وجعل الطفل يتعرف على الأشياء الموجودة في العيادة بشكل تدريجي كالأدوات، وكرسي الأسنان وحتى نوعية الكلمات والمصطلحات الطبية أحرص على استبدالها بكلمات طفولية تناسب شخصيتهم.
كما يتم خلال هذه الزيارة منح الأهالي نصائح مهمة حول كيفية المحافظة على الأسنان والطرق السليمة للعناية بها مع إعطائهم استبيانا تحليليا صغيرا للتعرف على الأكلات التي يتناولها الطفل خلال اليوم حتى أتمكن خلال الزيارة الثانية من حصر نوعية ما يتناوله الطفل للتوصل إلى أسباب تسوس الأسنان وإعداد برنامج غذائي يتماشى مع الصحة العامة للأسنان.
كما نحرص خلال الزيارة الأولى على فحص الأسنان بشكل عام لوضع الخطة العلاجية لها مع إجراء تنظيف خفيف لها حتى نهيئ الطفل للزيارات المقبلة البدء بالعلاج ومنح الأولوية للحشوات البسيطة التي لا تتطلب التخدير الموضعي حتى يرغب الكفل أكثر للزيارات التالية حتى نصل إلى مرحلة العلاج الأصعب التي نتأكد فيها من كسب ثقة الطفل لطبيب الأسنان.
التخدير الإدراكي
* خلال عملك في هذا التخصص، ما أبرز مميزاته؟
ــ يمتاز طبيب أسنان الأطفال عن غيره من الأطباء بالخدمات التي يقدمها فالأخصائي بإمكانه اللجوء إلى اتباع طرق للتعامل وعلاج الطفل في بعض الحالات التي يستعصي علاجها بالطرق العادية دون أن يستخدمها طبيب الأسنان العام وذلك من خلال قدرة الطبيب المختص على استخدام التخدير الإدراكي عن طريق «ناينتروس أوكسايد» أي غاز الضحك وهو ما يستنشقه الطفل ليشعر من خلاله بالراحة والهدوء وله قابلية على العلاج بشكل أفضل، أو عن طريق إعطاء الطفل أدوية أخرى وهي جرعات قليلة مخدرة قبل البدء بمعالجة الأسنان، كما يتميز طبيب أسنان الأطفال عن سواه من الطبيب العام من إجراء علاج شامل للأطفال تحت تخدير كامل لحالات تستدعي ذلك كالأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة، المعاقين جسديا أو ذهنيا وهو يعتبر الحل الأمثل لهذه الحالات.
* ما الصعوبات التي تواجهك في العمل مع الصغار؟
ــ ترتبط الصعوبة الأولى بالأهل من خلال إهمالهم لمسألة الاهتمام بأسنان أطفالهم وغياب حرصهم على اصطحابهم باستمرار إلى طبيب الأسنان مكتفين فقط في حال وصول الألم بهم إلى منتهاه، ما يشكل بالنسبة لي عائقا كبيرا يتعارض مع سياستي في الخطة العلاجية للأطفال، إضافة إلى أن بعض الأهالي لديهم فكرة خاطئة بعدم ضرورة استخدام معجون الأسنان للأطفال وهو ما يتعارض مع ما أنصح به بالبدء باستخدام معجون أسنان الأطفال عند بداية ظهور السن اللبني أي بعمر «6 أشهر» لما يتضمنه هذا المعجون من مادة الفلورايد التي تقي الأسنان من التسوس خاصة ان الإمارات تخلو مياها من هذه المادة.
لذلك فإن الدراسات أثبتت أن غسيل أسنان الطفل مرتين في اليوم يقلل من نسبة التسوس أكثر من 50%، كما تغيب رقابة الأهل عن تناول أطفالهم للسكريات والحلويات والتي وللأسف أصبحت متوفرة بكثرة في كل مكان وأهمها المدارس لذلك لا يتمكن الأهالي من فرض السيطرة عليهم بشكل مستمر مما يؤدي إلى زيادة نسبة التسوس.
أما الصعوبة الأكبر التي نواجهها كأطباء أسنان الأطفال هي قلة أعداد الأطباء المتخصصين في هذا التخصص بشكل عام والأطباء المواطنين بشكل خاص والذين لا يتجاوزوا الثلاثة أطباء فقط ما يؤدي ذلك إلى إبراز مشكلة حقيقية وهي طول الفترة الزمنية التي ينتظرها الطفل للحصول على موعد له نظرا لكثرة الأعداد وزيادة نسبة التسوس مع قلة الأطباء المختصين، الأمر الذي يدعو إلى ضرورة زيارة طب أسنان الأطفال بالذات المواطنين الذين لهم أهمية في المجتمع بخلق جيل يتمتع بصحة سليمة ومنح الأهل الثقة لسهولة التواصل مع الطبيب المواطن.
فالتعامل مع الطفل بحد ذاته صعب يختلف عن التعامل مع غيرهم، فأثناء العلاج نحتاج لقضاء وقت لازم مع الطفل بالذات خلال الزيارة الأولى في المستشفى تحديدا ونظرا للأعداد المتزايدة قد لا يتسنى لنا الوقت لإجراء تمهيدات لعلاج الطفل.
مواصفات خاصة
* ما أسباب قلة التخصص في مجال طب أسنان الأطفال؟
ــ تتحدد شخصية الطبيب بمدى قدرته على التعامل مع الأطفال فمن الضروري أن يمتلك الطبيب مواصفات خاصة قبل التخصص تؤهله لدراسة هذا المجال منها أن يحب التعامل مع الطفل وتقبل تصرفاته.
وأن يتحلى بالصبر والقدرة على التواصل معه وتحمل المسؤولية، خاصة ان هذا العمل أكسبني الصبر أكثر وأصبح لدي خبرة في التمييز بين شخصية الأطفال، كما تأتي هذه القلة نتيجة غياب التوعية المجتمعية حول وجود هذا التخصص وأهميته في علاج ليس فقط الأسنان بل الطفل بشكل كامل وعلى الرغم من أن التخصص متعب إلا أنه وبمرور الوقت أصبح ممتعا واكتشفت أن هذا التخصص هو ما كنت أهدف وأخطط له.
ومن الضروري على مستشفيات الدولة الحكومية أن تهتم بهذا التخصص بشكل أكبر عن طريق عمل غرفة انتظار خاصة للأطفال تحتوي على الألعاب التعليمية والكتيبات الخاصة لهم ترشدهم نحو طرق العناية بالأسنان والمحافظة عليها، ووضع أشرطة تثقيفية تعليمية تنقل إليهم الصورة الصحيحة حول التنظيف لتهيئتهم نفسيا لتقبل العلاج.
إضافة إلى ضرورة عمل ديكور مخصص في العيادة معني بالأطفال بوضع ملصقات تحببهم للمكان ووضع كرسي مخصص لهم مع ألعاب بشخصيات محببة لديهم تحد الخوف الذي يمتلكهم لحظة وصولهم المستشفى، لذلك نتمنى من دوائر الصحة في الدولة توفير ميزانية مناسبة من أجل تحقيق الرعاية السليمة لأسنان الطفل.
* من خلال خبرتك مع الطفل ما الأخطاء الشائعة في أسلوب التغذية؟
ــ بتواصلي مع الأطفال وجدت أن أبرز الأخطاء الشائعة في التغذية بدءا من اقل من عمر السنتين هو نوم الطفل بالرضاعة الصناعية التي تعتبر الخطوة الأولى لتسوس الأسنان، إلى جانب تناول الطفل السكريات والحلويات بين الوجبات الغذائية التي تؤدي بهم إلى الشعور بالشبع الذي يمنعه من تناول الوجبة الصحية السليمة مما يؤثر ذلك على الصحة بشكل عام والأسنان بشكل خاص.
كما أن المشروبات الغازية يتناولها الأطفال بشكل كبير ولها تأثر سلبي من حيث انها تسبب في تسوس وتعرية سطح الأسنان لذلك ينبغي على الأهالي استبدال هذه الحلويات بالفواكه والخضروات.
* سافرت في عمر صغير لإكمال دراستك الجامعية والماجستير، ما موقف الأهل من ذلك؟ ومدى استفادتك من السفر؟
ــ تغلبت على هذه المسألة من خلال الإرادة والتصميم على رغبتي في التخصص الذين كانوا من المشجعين لي على اكتسابه إلى أن أثبت لهم مدى قدرتي على الاعتماد على ذاتي وأن الفتاة لا خوف عليها في ظل التربية السليمة وغرس الثقة بداخلها، ويعتبر السفر تجربة جديدة منحتني زيادة الثقة بنفسي والاعتماد عليها بشكل أكبر واكتساب خبرات متنوعة أضيفت إلى شخصيتي إلى جانب الدراسة العلمية.
كما استفدت تعلم الحذر في التعامل مع الأشخاص بشكل كبير والتعرف على الشخصيات وكيفية التعامل معهم واختيار الأحسن أما للسفر سلبيات منها غياب الفرد عن الأهل والوطن الذي لا يعتبر بالأمر السهل على الإطلاق، فباختصار فإن التجربة بسلبياتها وايجابياتها لن أندم عليها في حياتي.
طموح لا محدود
* ما تقييمك لتوجهات فتاة الإمارات نحو التخصصات العلمية في الوقت الحالي؟
ــ أجد أن الفتيات في وقتنا الحالي يمتلكن طموحاً لا محدوداً للوصول إلى تحقيق الذات من خلال نوعية التوجهات التي يسلكنها والتي أصبحت تتماشى مع توجهات الرجال حيث ليس هناك ما يسمى الصعب أو المستحيل، إضافة إلى أن تخصص الطب في دولة الإمارات تتجه إليه الفتيات بأعداد أكبر عن الشبان، إلى جانب تغير نظرة الأهالي الذين أصبحوا أكثر تفهما لسفر الفتاة إلى الخارج لاستكمال دراستها.
* ما أبرز الأخطاء الشائعة عند الأطفال في رمضان؟
ــ يزيد في رمضان إقبال الأطفال خاصة الذين يحرصون على الصوم على الحلويات بأصنافها المتنوعة، فمن خلال خبرتي وجدت بأن نسبة تسوس الأسنان تزيد في رمضان عن بقية أشهر السنة، مما يتطلب من الأهالي تقليل تناول الحلويات والاكتفاء بالشيء القليل فقط.
* ما الذي تحرصين على عمله في الشهر الكريم؟
ــ تقل عدد ساعات العمل في رمضان الذي اعتبره فرصة للتواجد مع الأهل وتناول وجبة الإفطار خاصة أن العمل الطويل والمتواصل خلال السنة ينسينا أن نتواجد مع بعضنا البعض فتكون في كثير من الأحيان لقاءاتنا بعيدة المدى، إضافة إلى أنني أحرص على صلاة التراويح.
حملات إرشادية
تتمنى الدكتورة خديجة أن تصل الإمارات إلى مصاف الدول التي استطاعت القضاء على نسبة التسوس بشكل كبير كالسويد التي بدأت بإغلاق عدد من جامعات طب الأسنان لعدم حاجتها لذلك في المجتمع نتيجة اهتمامهم بالأسنان منذ الصغر من خلال عمل الحملات التوعوية والإرشادية لمراكز الطفولة والأمومة حول كيفية طرق العناية بالطفل بشكل سليم قبل الولادة مع كيفية العناية بالفم والأسنان.
وذلك من خلال تكاتف الجهود من القطاعات المختلفة سواء من وزارة الصحة ووزارة التربية والتعليم وحتى الجهات الإعلامية بعمل حملات إرشادية وتوعوية لكافة فئات المجتمع وأن نمتلك الطموح بالقضاء على التسوس ووضع مدة زمنية لها كحملات القضاء على التدخين، والثلاسيميا.
منال خالد -تصوير: محمد شاهين



