أرى في شهري ضروباً من المخالفات الصادرة من الصائمين والصائمات، لا تعمل فيها الغرامات ولا الجزاءات، لم يبق من صيامي غير اسمي، ولا من قيامي سوى رسمي، هجرني فئات من المسلمين، وقد اجترحوا السيئات، واقترفوا الموبقات، تراهم في نهاري رقودا، قد ثملت أجفانهم من الكرى.

وثقلت أبدانهم إذ تغشتهم الموتة الصغرى، وأرسلت إليهم رسلها تترى، فهم بعد هذا صرعى النكسة الكبرى. لا يفيقون من سكرتهم حتى لا يبقى بين الشمس ومغيبها إلا قدر ما يلبس الرجل هندامه. فإذا قدمت الموائد المصفوفة، والمآكل الموصوفة رأيتهم حولها قياما وقعودا، وركعا وسجودا، كأنهم يثأرون لبطونهم من الجوع بأسنان كالسنان، وأياد كالاشطان.

فإن فرغوا من طعامهم وشرابهم، أمسكوا ببطونهم يتللون من البشم، ويترنحون من الألم. هكذات دأبهم كل يوم يذر شارقه، يتكاسلون عن الصلوات، ويتخلفون عن الجماعات «فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلوة واتبعوا الشهوات» (مريم: 59) ما بالهم لا يكفون عن فعل المنكرات، وطرق سبل الغوايات، والاستمتاع بمشاهد القنوات، التي تعرض صور الماجنين والماجنات في مسلسلات متصلة الحلقات، ترزح تحت نيرها الفضيلة، وتكون السيادة فيها للرذيلة.

وان تعجب، فعجب موت الغيرة من النفوس، وانهيار صرح الحياء. فهذه مشاهد هابطة، ولقطات ساقطة لا تحرك في نفوسهم ساكنا، ولا تستدعي من ضمائرهم وازعا «وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ» (الاعراف: 179) ألقوا في مسامعهم:

إذا لم تخش عاقبة الليالي

ولم تستح فاصنع ما تشاء

فلا والله ما في العيش خير

ولا الدنيا إذا ذهب الحياء

يعيش المرء ما استحيى بخير

ويبقى العود ما بقي اللحاء

falahi19@yahoo.com