التسامح في الإسلام أمر لا ينكره إلا أعداء هذا الدين القويم، هذا التسامح الذي بدأ مع فجر الدعوة وليس بالشيء المستحدث، وما ينسبه الآخر للإسلام من أنه دين إرهاب وعنف وإكراه، وكما يقول الدكتور شوقي أبو خليل في حواره مع مستشرقة فرنسية، فإن ما يرمي به الآخر الإسلام ما هو إلا إسقاط.

ويعرف هذا المصطلح بأنه يعني ميل الفرد إلى أن ينسب عيوبه وأخطاءه ورغباته المستكرهة المكبوتة إلى غيره من الناس والأشياء، فالبخيل لا يفطن إلى أنه بخيل وينسب البخل إلى غير، وكذلك الأناني والكذاب والمغرور والكسول، وهو ما ينطبق تماماً مع المثل القائل: «رمتني بدائها وانسلت».

ان الدعوة بمكة كانت نحو 13 عاماً لم يحمل فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم عصا ولا من اتبعوه في تلك الفترة من عمر الدعوة ليرفعوه في وجه من عارضوهم، بل العكس أن أولئك المعارضين هم الذين تعرضوا للمسلمين بالعنف والإيذاء، وحتى حينما أمرهم رسول الله بالهجرة إلى الحبشة لاحقتهم قريش بوفد بقيادة عمرو بن العاص قبل إسلامه ليؤلبوا عليهم النجاشي.

وبالأسلوب السمح والمنطقي استطاعوا أن يقنعوا ذلك الملك العادل بأن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ليس بعيداً أو مخالفاً لما جاء به المسيح فتفهم منهم ذلك ورفض أن يسلمهم لقريش ووفر لهم الأمان في كنفه ولا أريد أن أذهب بكم طويلاً في حديث التسامح هذا لأنني على موعد معكم لتقديم رجل من رجال الإسلام في العهد النبوي الأغر يعتبر نموذجا لهذا التسامح في موقفين سأعرضهما.

هذا الصحابي الجليل هو ثابت بن قيس بن شماس وكان يعرف بخطيب الإسلام المفوه. ففي عام الوفود عندما وفد إلى المدينة وفد بني تميم وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم «جئناك نفاخر، فأذن لشاعرنا ولخطيبنا (وتلك كانت عادة من عادات العرب) وربما تشبه إلى حد ما المناظرات في هذا العصر.

وقد أذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتحدث خطيبهم واسمه عطارد بن حاجب فماخر قومه، ولنا أن نتصور كيف يكون ذلك الذي اختارته قبيلة مثل بني تميم كم يكون بليغاً وموفقاً، فإذا أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مدينة العلم وأبلغ البلغاء لثابت بن قيس ليكون المناظر لخطيب بني تميم أدركنا أنه أهل لهذه الثقة من النبي صلى الله عليه وسلم له، والدليل على ذلك اعتراف القوم بأن خطبة ثابت أبلغ من خطبة خطيبهم، فإذن هو خطيب الإسلام المفوه باختيار سيد الفصحاء له وبنجاحه في إقناع الآخر له بأنه الأفضل.

وخطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم المفوه هذا يتعرض لموقف حياتي يصور طبائع البشر ولا يتناقض مع ما نحن بصدده من أنه كان مقاتلاً ثابت الجنان وخطيباً قوي البيان وسمحاً بكل ما تعنيه هذه السماحة هذا الموقف من قبل زوجته حبيبة بنت سهل التي رأت في خلق زوجها ثابت شدة .

كما ذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم وطلبت منه أن يخلعها منه على أن ترد له ما أعطاها نظير الخلع، وهذا يعني أنها لا تطيقه، وهذه ـ كما أشرنا ـ طبائع البشر، تجد أحدهم سمحاً رضياً مهذباً في مواقف كثيرة، وفي أخرى يكون على عكس ذلك، وليس هذا تناقضاً، ولكن، لكل موقف ظروفه التي إذا بحثنا فيها وجدنا له العذر في ذلك.

وثابت الذي رأت زوجته منه غلظة وشدة في تعامله معها لدرجة أنها تطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخلعها منه، نجده في موقف آخر يبرز في قمة السمو الخلقي، وهذا الموقف كان مع يهودي من بني قريظة الذين كانوا يجاورون المدينة هذا اليهودي القرظي وقع أسيراً في يد ثابت الذي تفرس في وجهه فتأكد له أن أسيره هذا ليس المرة الأولى التي يلتقيه، ذلك أن ثابتا ـ وهو من الأنصار ـ كان قد وقع أسيراً في يد ذلك اليهودي في يوم بعاث وهو من أيام حروب الجاهلية التي كانت بين الأوس والخزرج، وكان يهود المدينة يتحالف بعضهم مع الأوس والبعض مع الخزرج.

تذكر ثابت أن هذا اليهودي ويدعى الزبير بن باطا القرظي، كان على غير المألوف من اليهود كريماً معه غاية الكرم وعامله بالحسنى، فقال ثابت لأسيره القرظي ـ والذي عرفه هو بدوره:

أريد أن أرد يداً لك عندي، وانطلق ثابت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذنه في أن يهب له دم أسيره لأن له عليه منة، ولم يكن عليه الصلاة والسلام ليرد طلبا فيه خير وإنسانية وسماحة لأنه هو الذي غرس ذلك في نفوس أصحابه، وطمع اليهودي في أكثر من ذلك ـ وهذا ما جبل عليه اليهودي من أطماع لا حد لها، قال لثابت:

وما فائدة عتق رقبة رجل مسن ـ ويبدو أنه كان كذلك ـ لا أهل له ولا ولد (في إشارة إلى أن زوجته وولده كانا أسيرين لدى المسلمين، ولم يتردد ثابت في طلب ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم واستجاب له، فهل يكتفي اليهودي بذلك؟ بالطبع لا، فقد طلب أن ترد له أمواله التي أخذت منه فكان له ذلك، ولكن اليهودي بكل لؤم لم يقابل هذه الأريحية بالشكر فينطلق حراً.

بل قال لثابت: ما فعل كعب بن أسد (ويبدو أنه من وجهاء يهود) وما فعل حيي بن اخطب (وهو زعيم يهود قريظة) وما فعل عزال بن السموأل وما فعل المجلسان (يعني بني كعب بن قريظة وبني عمرو بن قريظة) وعندما أجابه ثابت بأنهم قتلوا جميعاً، قال اليهودي المجبول على العصية لقومه: فإني أسألك يا ثابت بيدي عندك ألا ألحقتني بالقوم فما أنا بصابر حتى ألقى الأحبة.

فهل بعد كل هذا اللؤم لا يجيبه لطلبه الغريب العجيب؟ لقد نفذ فيه ثابت طلبه فألحقه بأحبته في نار جهنم وبئس المصير.وهذا هو طبع اليهود المتوارث فيهم، لؤم متأصل نعيشه نحن المسلمين في كل زمان. نقابلهم بالحسنى والتسامح فيقابلون ذلك بالقسوة والغدر ونقض العهود قاتلهم الله.